من بين كل الرسائل..هذه بقيت في قلبي
من بين كل الرسائل..هذه بقيت في قلبي
منذ سنوات بعيدة وأنا أجد نفسي منخرطاً في عالم لا يُرى، عالم تمتلئ زواياه بأوجاع الناس وحكاياتهم الصامتة.
اخترت أن أكون قريباً من تلك الأصوات التي
لاتجد من يُصغي إليها، فوضعت عنوان (التليجرام) في صدر موقعي وفتحت بابي لكل من أثقله الوجع أو أرهقته الحيرة.
لم يكن ذلك ترفاً بل كان مبدأً أعيش به:
(أن أحب لغيري ما أحبه لنفسي)
وأن أمد يدي حيث يعجز الآخرون عن الوصول..ومع مرور الوقت، بدأت تتراكم لديّ قصص لاتشبه بعضها لكنها تلتقي جميعاً في نقطة واحدة إنسان يبحث عن معنى أو عن مخرج أو عن عزاء..حتى تولّد داخلي حلم بتجميع هذه الحكايات في كتاب ليس فقط لتُروى، بل لتشهد على أن ما نشعر به مهما بدا خاصاً هو جزء من التجربة الإنسانية الكبرى.
لكن وبين كل تلك القصص كانت هناك حكاية لم تمرّ كغيرها..حكاية توقّفت عندها طويلاً لا لأن كلماتها كانت مختلفة فحسب بل لأن وقعها في القلب كان أثقل وأعمق.
كانت قصة حب بدأت في عمر مبكر ككل الحكايات التي لا تخضع لحسابات العقل..شاب في الجامعة وفتاة في المرحلة الجامعية ايضاً ونبض ينمو بصمت، حتى صار شجرة وارفة الظلال..سَقَياها بالإخلاص، وغذّياها بالأمل، حتى صارت جزءاً من روحيهما..لكن الحياة كما تفعل كثيراً لم تمهل هذا الحب فرصة ليكتمل.
جاءت الضغوط من كل اتجاه ثقيلة وقاسية
لاتعترف بصدق المشاعر ولا بنقاء القلوب..فُرض عليها زواج لا تريده، ورحل هو بعيداً يحمل قلبه معه كمن يحمل جرحاً مفتوحاً ظن أن المسافات قد تُنسي وأن الغربة قد تُطفئ لكن الحقيقة كانت أقسى:
(كان يهرب منها..إليها)
مضت السنوات، وتغيّرت الملامح، وتبدّلت الظروف..صار زوجاً وأباً وامتلك من الحياة
ما يظنّه الناس كافياً للنسيان..لكن شيئاً واحداً لم يتغيّر(الحب) ظلّ حياً يتنفس في داخله، يكبر مع الأيام بدل أن يبهت، يشتعل بدل أن يخمد.
حين قرأت رسالته شعرت أنني أمام حقيقة لايمكن إنكارها وكنت دائماً ارددها:
(الحب لايموت)
قد يُقمع، قد يُؤجّل، قد يُحرَم من اللقاء، لكنه لاينتهي..يعيش في الذاكرة..في التفاصيل الصغيرة، في الحنين الذي يزور القلب دون استئذان.
ولم يكن ردي عليه مجرد كلمات عابرة، بل كان محاولة لإعادة تعريف هذا الألم..قلت له إنهم ربما نجحوا في التفريق بين جسدين، لكنهم فشلوا في قتل الشعور..وإن ما يعيشه ليس ضعفاً بل دليلٌ على عمقٍ إنساني نادر.
لكن الحقيقة التي لا مفرّ منها، أن الحياة لا تُبنى على الذكريات وحدها..وأن الحب، في أسمى صوره، ليس امتلاكاً بل تضحية..أن تسمو به فوق الرغبات، وتحفظه نقياً كما كان، دون أن تلوّثه بمحاولات مستحيلة أو قرارات قد تهدم حيوات أخرى.
طلب مني دواء وكنت أعلم في داخلي أن بعض الآلام لا تُشفى، بل تُحتَمل..وأن بعض القصص
لا نهايات لها، بل تتحوّل إلى جزءٍ منّا..فكان الجواب أن يرتقي بحبه، أن يحتفظ به كصورةٍ جميلة، كذكرى طاهرة، وأن يختار رغم كل شيء، حياةً لا تُبنى على أنقاض الآخرين.
هذه القصة..رغم حزنها، لم تُشعرني باليأس، بل بشيءٍ من الرهبة أمام قوة المشاعر الإنسانية. أثبتت لي أن الحب، حين يكون صادقاً لا يخضع للزمن ولا للظروف..لكنه أيضاً علّمني أن أعظم أنواع الحب، هو ذلك الذي يعرف متى يتراجع، ومتى يكتفي بأن يكون ذكرى..لا أكثر.
وربما في النهاية، لسنا نكتب هذه القصص لنجد حلولاً بل لنفهم أنفسنا أكثر..لنُدرك أن في داخل كل إنسان حكاية تستحق أن تُروى، حتى لو كانت مؤلمة.
أما أنا فسأظل أفتح بابي وأقرأ وأتأثر وأكتب لأنني ببساطة ما زلت أؤمن أن مشاركة الألم هي أول الطريق نحو التخفيف عنه.