المرأة..المعنى الذي لا يصنعه العقل وحده
المرأة..المعنى الذي لا يصنعه العقل وحده
ثمة سؤال يسكن أعماق كل رجل أمضى عمره في ملاحقة المجد..سؤال لا يجرؤ على البوح به في وضح النهار لكنه يطرق أبواب روحه في ساعات الليل الثقيلة حين تخلو الغرفة من كل صوت إلا صوت الصمت:
هل كان يستحق كل هذا؟
الإنسان كائن يبحث عن المعنى قبل أن يبحث عن الخبز..وربما هذا ما أدركه الفلاسفة القدامى حين تحدثوا عن الحب بوصفه ليس رفاهية الروح بل ضرورتها..(أفلاطون) لم يتحدث عن المرأة باعتبارها متعة عابرة، بل باعتبارها النصف الذي يكتمل به الكائن البشري، وكأن الإنسان منذ فجر وجوده يحمل في داخله فراغاً بشكل امرأة
لايملؤه كتاب ولا يسده منصب ولا يطمئنه نجاح. الرجل الذي آثر العلم على العشق، والكتاب على اللقاء، والمختبر على الدفء، لم يختر الخطأ بالضرورة..ربما اختار ما كان يراه أجدر وأبقى. وهو في هذا معذور جزئياً، لأن المجتمع أوهمه منذ طفولته أن القيمة تُقاس بما تُنتج لا بما تُحب. لكن هذا الوهم الجميل ينكسر يوماً ما، ولا يُسمع صوت انكساره إلا في الوحدة..حين يجلس هذا الرجل على قمة ما بنى، وينظر إلى ما حوله،
لايجد ما يستحق النظر إليه طويلاً..الجوائز صامتة والكتب لا تبادله النظر، والاختراعات تعمل دون أن تسأل عن أحواله..ويدرك فجأة، بتلك الطريقة الموجعة التي تأتي بها الحقائق الكبيرة دائماً، أن المرأة لم تكن يوماً تفصيلة في حياته كان يمكن تأجيلها، بل كانت الإطار الذي تستقيم فيه الصورة كاملة..المرأة ليست مجرد رفيقة سفر..هي الكائن الذي يمنح الأشياء أبعادها الحقيقية بوجودها، يصبح البيت مكاناً تشتاق إليه لا مكاناً تعود إليه مضطراً..يصبح النجاح فرحة تريد أن تشاركها لا حدثاً تسجله في سيرتك وتمضي..يصبح الألم محتملاً لأن ثمة عيوناً تفهم دون أن تسأل..وهذا الفارق البسيط في الظاهر هو الفارق بين حياة تعاش وأخرى تُعاش..قد يعترض معترض ويقول إن التاريخ مليء برجال عظماء عاشوا بمعزل عن النساء وأبدعوا وهذا صحيح..لكن ما لا يقوله التاريخ هو ما كان يدور في رؤوسهم حين يغلقون أبوابهم في الليل
وماكانت تحمله أعينهم حين ينظرون إلى نافذة مضاءة في بيت جار يسمعون منها صوت امرأة تضحك..التاريخ يحفظ الإنجازات ويسقط التفاصيل والتفاصيل هي الحياة بعينها..الذين أفاقوا متأخرين على هذه الحقيقة يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية لا حل لها يُرضي الرياضيات ولا الفلسفة..ما مضى لا يُستعاد، والأمجاد التي تعبوا لأجلها لا تُترك، ويبقون بين الاثنين في مكان يشبه البرزخ..لا هم في مملكة الإنجاز يجدون اكتفاءً، ولا هم قادرون على إعادة الساعة إلى الوراء لاختيار الدفء بدلاً من البرود اللامع للنجاح..القطار الذي فاتهم لم يكن قطار سعادة رخيصة..كان قطار المعنى..وحين يفوت قطار المعنى يصبح كل ما تحمله من أمجاد ثقلاً بلا وجهة.