حين تتقدم المرأة نحو الخطر..ويتراجع قلبي

حين تتقدم المرأة نحو الخطر..ويتراجع قلبي

في الآونة الأخيرة صرت أجد نفسي، دون أن أدري، أجلس أمام شاشة (التلفزيون) كمن يبحث عن شيء ضاع منه..أتنقل بين القنوات الإخبارية، العربية، سكاي نيوز، وغيرها لا لأتابع التحليلات ولا لأفهم خرائط المعارك، بل لأن شيئاً ما يشدني وسط كل هذا الضجيج..شيء صغير، لكنه يترك في داخلي أثراً لا يمكن تجاهله..ظهور مراسلات ميدانيات في قلب الحروب.
كل مرة أراهنّ فيها، أشعر بأن شيئاً في داخلي يتوقف لحظة..امرأة تقف وسط شارع محطم، خلفها دخان كثيف، وأمامها كاميرا تنتظر منها أن تتكلم..تحمل الميكروفون كأنه درع، وتشدّ على كلماتها كي لا ترتجف..الريح تعبث بشعرها، وصوت الانفجارات يقترب، لكنها تظل واقفة، كأنها تحاول أن تثبت للعالم أن الخوف لا يليق بها.
أراقبها طويلاً أطول مما ينبغي..وأشعر بشيء يشبه الغصّة.
أنا الذي كنت دائماً مع المرأة في حقها بالعمل، وفي حقها بأن تكون في كل مكان، أجدني فجأة أتمنى لو أن هذا المكان بالذات ليس لها..ليس لأنها عاجزة، بل لأنها أثمن من أن تُعرّض نفسها لهذا القدر من الخطر.
المرأة في نظري، ليست مجرد كائن قادر على الإنجاز..هي كائن يحمل في داخله رقة لا تشبه شيئًا آخر..رقة لا تُرى بالعين، لكنها تُحسّ..رقة تجعلني أتساءل:
لماذا يجب أن تقف هي تحديداً في مكان يبتلع كل ما هو رقيق؟
يحزنني أن أراها تلتفت فجأة حين يدوّي صوت قريب..يحزنني أن ألمح في عينيها تلك اللمعة التي لا تخطئها العين..لمعة الخوف الذي يُكابر.. يحزنني أن أرى يدها ترتجف للحظة قبل أن تخفي ارتجافها بابتسامة صغيرة لا تخدع أحداً.
وأظل أسأل نفسي بصوت لايسمعه أحد:
ما الذي جاء بها إلى هنا؟
هل هي الحاجة المادية التي تدفع الإنسان إلى طرق أبواب لا يريدها؟
أم هو شغف المهنة ذلك الشغف الذي يجعل الصحفي يركض خلف الحقيقة مهما كان الثمن؟
أم هو شيء أعمق..رغبة في أن تكون شاهدة
لامتفرجة؟ أن تقول للعالم: (لن أسمح أن تُروى الحكاية من دوني)؟
ربما..وربما لا.
لا أحد يعرف ما الذي يدور في قلبها وهي تقف هناك.
لكنني أعرف ما يدور في قلبي أنا.
أعرف أنني كلما رأيتها، تمنيت لو أن العالم كان أرحم..لو أن الحروب لم تُحوّل الشجاعة إلى وظيفة، ولم تجعل من الخطر مشهدًا يومياً..أعرف أنني أريدها في مكان آخر..مكان يشبهها..مكان فيه حياة، لا موت..فيه ضوء، لا دخان..فيه ضحكة، لاصفارات إنذار.
ومع ذلك لا أملك إلا أن أحترمها..أحترم وقفتها، وصوتها، وإصرارها..أحترم قدرتها على أن تكون قوية رغم كل شيء..لكن الاحترام لا يمنع الألم، ولا يمنع السؤال الذي يطاردني كلما ظهرت على الشاشة:
هل كان يجب أن تكون هناك؟
أم أن العالم بقسوته دفعها إلى مكان لايشبه قلبها؟
لا أعرف.
لكنني أعرف أنني في كل مرة أراها أهمس في داخلي:
(ليتكِ في مكان أهدأ
مكان يليق برقتك لا بصوت الرصاص)

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *