الإنسان بين القوة والقسوة

الإنسان بين القوة والقسوة

لم يكن المشهد طويلاً لكنه ترك في رأسي ضجيجاً غريباً..كنت أشاهد وثائقياً على قناة (ناشونال جيوغرافيك) مجرد تمرير وقت ثم ظهرت تلك المحمية الصينية التي تُربّى فيها التماسيح كأنها محاصيل..أحواض ضيقة، ماء عكر، وأجساد ثقيلة تتحرك ببطء لا يشبه قوتها المعروفة. الفكرة وحدها كانت كافية لتجعلني أشعر بأن شيئاً ما في علاقتنا مع الكوكب قد انحرف عن مساره الطبيعي.
لا أعرف لماذا استفزّني المشهد إلى هذا الحد. ربما لأن التمساح رغم كونه مفترساً، يحمل حضوراً يفرض الاحترام..كائن لا يطلب شيئاً من العالم سوى مساحة يعيش فيها ومع ذلك يُربّى هنا ليُسلخ جلده ويُحوَّل إلى حقيبة فاخرة..حقيبة قد لا تعيش في خزانة صاحبها أكثر من موسم واحد..هناك شيء مهين في الفكرة، شيء يجعل الإنسان يبدو كأنه يبالغ في استغلال قوته، كأنه يختبر حدود ما يمكن أن يفعله دون أن يشعر بالذنب.
وما يثير الغيظ أن هذه ليست حالة استثنائية.. الثعالب التي تُسحب من أقفاصها لتُسلخ من أجل الفرو..الفيلة التي تُقتل من أجل العاج..وحتى وحيد القرن الأبيض الذي انتهى تقريباً لأن البشر أرادوا قرنه كقطعة زينة.
أحياناً أشعر أن الإنسان لا يكتفي بالسيطرة على الطبيعة، بل يريد أن يثبت لها أنه قادر على سحقها أيضاً..وكأن القوة لا تُشبع إلا إذا اقترنت بالقسوة.
قد يقول أحدهم إن هذه الصناعات توفر وظائف وإن هناك مجتمعات كاملة تعتمد عليها..وهذا صحيح، ولا يمكن تجاهله..لكن هل يبرر ذلك تحويل كائن حي إلى مادة خام؟
لا أملك إجابة قاطعة ولا أظن أن أحداً يملكها. ربما نحن عالقون بين حاجات البشر ورغباتهم، وبين حق الكائنات الأخرى في أن تعيش دون أن تتحول إلى سلعة.
الغريب أن بعض الناس يبررون الأمر بأن هذه الحيوانات مفترسة، وأنها لو استطاعت لالتهـمت الإنسان..لكن هذا التبرير يبدو لي أقرب إلى محاولة تهدئة الضمير منه إلى منطق حقيقي. المفترس في البرية يقتل ليعيش..بينما الإنسان يقتل ليضيف قطعة جديدة إلى خزانته..الفرق واضح ولا يحتاج إلى فلسفة.
أحياناً أسأل نفسي إن كان الإنسان هو الكائن الأكثر وحشية على الأرض..ليس لأننا نقتل، بل لأننا نقتل بلا ضرورة..نقتل ونحن نملك خيارات أخرى..نقتل ونحن نعرف تماماً ما نفعله..وهذا ما يجعل الأمر ثقيلاً على الروح.
ومع ذلك لا أريد أن أبدو كمن يصرخ في الفراغ.. هناك من يقاتلون لحماية هذه الحيوانات..وهناك قوانين تُسنّ، حتى لو كانت بطيئة أو غير كافية. وربما هذا ما يجعلني أقل تشاؤماً..ما زال هناك من يشعر بالانزعاج حين يرى تمساحاً يُربّى ليُسلخ وما زال هناك من يبكي على انقراض وحيد القرن الأبيض..هذا الشعور وحده، مهما كان صغيراً، يعني أن إنسانيتنا لم تختفِ بعد.
ربما لن يتغير العالم غداً، لكن على الأقل يمكننا أن نعترف بأن ما يحدث ليس طبيعياً..وأن الكائنات التي تشاركنا هذا الكوكب تستحق أكثر من أن تتحول إلى حقائب وأحذية وربما فقط.. ربما يأتي يوم لا نضطر فيه إلى مشاهدة وثائقيات تُذكّرنا بما خسرناه بأيدينا.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *