قصة رجل أحب حتى النهاية ورحل بصمت

قصة رجل أحب حتى النهاية ورحل بصمت

أحياناً أشعر أن حياتي انقسمت إلى نصفين:
ماقبل (فيصل) ومابعده.
كل شيء بدأ في عام 1994حين دخل هذا الرجل إلى أيامي بلا مقدمات، وبلا ضجيج..كان بسيطاً في حضوره، لكنه كان يملك تلك الهيبة الهادئة التي تجعلك تطمئن له من اللحظة الأولى..لم يكن يتكلّم كثيراً لكنه كان يعرف كيف يصغي وكيف يترك في القلب أثراً لا يُمحى.
بعد سنة واحدة فقط تزوج من (سارة) تلك التي كان يذكرها دائماً وكأنها نعمة يخشى أن يستيقظ فيجدها حلماً..حضرت زفافهما ورأيت في عينيه شيئاً لم أره من قبل..رجل وجد نصفه الآخر ووجد معه سبباً ليحب الدنيا.
لكن الدنيا لا تُعطي أحداً كل شيء.
لم يمر وقت طويل حتى جاء المرض..سرطان الثدي كلمة واحدة، لكنها كانت كفيلة بأن تغيّر ملامح فيصل كلها..صار يرافقها إلى المستشفيات، يسافر معها، ينام على الكراسي في الممرات ويبتسم لها رغم أن قلبه كان يرتجف من الخوف..كنت أتصل به، أزوره، أحاول أن أرفع عنه شيئاً من الحمل، لكنه كان يعيش معركة
لايستطيع أحد أن يخوضها عنه.
ومع كل فحص، كان الأمل يتراجع خطوة..ومع كل خطوة، كان فيصل يشيخ سنوات.
وحين رحلت (سارة) شعرتُ أن الرجل الذي أعرفه رحل معها.
لم يبكِ أمامي، لكنه كان يمشي وكأنه يحمل جبلاً فوق كتفيه..كنت أزوره في بيته الكبير، فأجده جالساً في ركن واحد، يدخّن بصمت، ينظر إلى شيء لا أراه..كان يتعب بسرعة، يسعل كثيراً، لكنّه يرفض الذهاب للمستشفى..كنت ألحّ عليه وأجادله وأرفع صوتي أحياناً لكنه كان يردّ بكلمة واحدة:
(ما عاد يهم)
كان يعيش وحيداً..والده ووالدته رحلا منذ زمن و(سارة) كانت آخر ما تبقى له من معنى..أقاربه حاولوا إقناعه بالزواج، لكنه كان يبتسم تلك الابتسامة التي تشبه الانكسار ويقول:
(ليس كل النساء سارة)
وكان يقولها وكأنه يعتذر للعالم لأنه لم يعد قادراً على منح قلبه لأحد.
وفي احدى ايام عام 1999 انقطعت أخباره..اتصلت به كثيراً ولم يجب..كنت أشعر بشيء ثقيل، شيء يشبه الخوف الذي لا تريد أن تعترف به.
ذهبت إلى منزله وهناك أخبرني العامل أن (فيصل) توفي قبل خمسة أيام.
فقد سقط في أحد المحلات التجارية وحين نقلوه للمستشفى كانت النوبة القلبية أسرع من كل محاولة لإنقاذه.
خمسة أيام!!
خمسة أيام كان فيها جسده بارداً وأنا لا أعرف..
خمسة أيام كان فيها العالم ناقصاً وأنا لم أشعر..
وقفت أمام بابه طويلاً..لم أبكِ فوراً..لم أستطع..
كنت فقط أنظر إلى الباب، وأتذكر كل مرة فتحه لي بابتسامة، وكل مرة أغلقه خلفي وهو يلوّح بيده..
في تلك اللحظة فهمت أن بعض الخسارات
لاتحدث مرة واحدة..بل تعيد نفسها كلما تذكرت.
مرت الأعوام يا (فيصل)
وأنا ما زلت أفتقدك.
أفتقد صوتك، وهدوءك، ووفاءك الذي لم أرَ مثله.
أفتقد الرجل الذي أحب امرأة واحدة وظل مخلصاً لها حتى آخر نبضة.
أفتقد صديقاً لم يعوّضه أحد ولن يعوّضه أحد.
مرت الأعوام
وأنت؟
ما زلت في مكانك
في الذاكرة التي لم تتعلم النسيان.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *