قلب قرد يوقظ إنسانيتنا المنسية

قلب قرد يوقظ إنسانيتنا المنسية

لم يكن المشهد طويلاً، ولا مصحوباً بكلمات، ومع ذلك اخترقني كما تفعل الذكريات القديمة حين تعود بلا استئذان..قرد صغير اسمه (باتش) يضم دميته المحشوة إلى صدره كما يضم طفل خوفه الأول..كان يحتضنها بيدين صغيرتين، لكن العاطفة التي خرجت من تلك اليدين كانت أكبر من أن تُقاس..شيء في تلك اللحظة جعل العالم يتوقف قليلاً، وكأن هذا الكائن الصغير جاء ليذكّرنا بأن الضعف ليس عيباً، وأن الحاجة إلى الأمان ليست حكراً على البشر.
لم أندهش من (باتش) بقدر ما اندهشت من البشر..هؤلاء الذين نراهم كل يوم يمرّون بجانب بعضهم بوجوه جامدة، وكأن الحياة صقلتهم حتى فقدوا القدرة على الشعور..لكن ما إن ظهر (باتش) حتى انكشفت طبقات القسوة، وخرجت من تحتها قلوب دافئة كانت تنتظر شرارة صغيرة لتضيء.
امتلأت مواقع التواصل بتعليقات تشبه العناق، وكأن كل شخص رأى في هذا القرد جزءاً من طفولته، أو خوفاً كان يخفيه، أو لحظة فقد لم يجرؤ على الاعتراف بها.
كان (باتش) يجلس كمن يخشى أن تُنتزع منه آخر قطعة من الطمأنينة..وفي تلك الصورة، رأيت شيئاً يشبه الحقيقة التي نتجاهلها أن الكائنات كلها مهما اختلفت أشكالها تبحث عن الأمان ذاته..نحن نظن أن الإنسان وحده من يحمل ذاكرة الخوف، لكن (باتش) أثبت أن الخوف لغة مشتركة، وأن الحنان غريزة لا تحتاج إلى ترجمة.
ولم تكن هذه الحادثة استثناءً في عالم الحيوان.. فكم من أم في البرية تخلّت عن صغيرها لاقسوة بل عجزاً؟
وكم من أنثى تركت وليدها حين شعرت بأن الخطر أكبر من قدرتها على الحماية؟
الطبيعة ليست دائماً حنونة، لكنها ليست قاسية أيضاً..إنها مزيج من الضرورة والرحمة..من الغريزة والضعف..من القوة والانكسار..وفي المقابل كم من أم قاتلت حتى آخر نفس من أجل صغيرها؟
وكم من حيوان حمل جراحه بصمت ليحمي من يحب؟
لكن ما فعله (باتش) كان مختلفاً..لقد أعاد إلينا شيئاً كدنا نفقده القدرة على التوقف، على الشعور، على أن نرى أنفسنا في مخلوق لايشبهنا إلا في خوفه.
حين رأيته يحتضن دميته، شعرت بأن العالم كله صار أصغر وأقرب وأكثر إنسانية..وكأن هذا القرد الصغير وضع يده على كتف البشرية وقال لها: (ما زال فيكم خير..لا تخافوا)
لقد جعلتني قصته أفكر في معنى التعاطف..كيف يمكن لمشهد بسيط أن يوقظ فينا مشاعر نعتقد أنها ماتت؟
وكيف يمكن لمخلوق لا يعرف لغتنا أن يعلّمنا درساً في الإنسانية؟
ربما لأن المشاعر لا تحتاج إلى لغة، وربما لأن الألم مفهوم عالمي، وربما لأننا في أعماقنا نعرف أننا جميعاً نبحث عن الشيء نفسه.. حضن يطمئننا، ولو كان دمية محشوة.
أعود إلى ذلك المقطع بين حين وآخر، لا لأرى (باتش) فقط بل لأرى البشر من حوله..أولئك الذين توقّفوا عن الركض للحظة، وسمحوا لقلوبهم أن تتنفس..أولئك الذين أثبتوا أن الإنسان مهما قسا، يبقى قادراً على الرحمة..وأن العالم، رغم كل ما فيه، ما زال يحتفظ ببعض الضوء.
قصة (باتش) ليست مجرد حكاية عن قرد ودميته.. إنها مرآة صغيرة عاكسة وصادقة تُظهر لنا أننا ما زلنا بشراً وأن القلب مهما أثقلته الحياة ما زال يعرف طريقه إلى الحنان.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *