الطريق إلى التهدئة: إيران تبحث عن مخرج

الطريق إلى التهدئة: إيران تبحث عن مخرج

من يتابع ما يجري في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة يشعر وكأنه يعيش داخل فيلم طويل
لايعرف أحد نهايته..فجأة هدأت السماء، وتوقفت الصواريخ، وبدأ الحديث عن وقف إطلاق النار بين أمريكا وإسرائيل وإيران..لكن الهدوء هذا ليس هدوءاً حقيقياً بل يشبه تلك اللحظة التي يلتقط فيها الناس أنفاسهم بعد عاصفة، بينما الغبار ما زال عالقاً في الهواء.
إيران اليوم ليست إيران التي عرفناها قبل شهرين فقط..شيء ما انكسر هناك، ليس في المباني وحدها، بل في صورة الدولة التي كانت تحاول أن تبدو قوية مهما حدث.
الضربات التي تعرضت لها لم تكن مجرد استهداف عسكري..كانت ضربة في العمق، في الشعور بالقدرة، في الثقة التي كانت تبني عليها خطابها..بلد كان يتحدث عن قوته الجوية والبحرية، وجد نفسه فجأة أمام مطارات مشلولة، وموانئ متوقفة، وقدرات دفاعية لم تصمد كما كان يُروّج لها..وحتى الصواريخ التي كانت تُقدَّم كرمز للهيبة، تحولت إلى مشهد محرج بعدما تم اعتراض معظمها..لم يعد بالإمكان تغطية ذلك بالخطابات أو الشعارات.
ووسط هذا المشهد بدأت إيران تدرك أنها
لاتستطيع أن تعيش وحدها..مهما حاولت أن تظهر بمظهر الدولة التي لا تحتاج أحداً فإن الواقع يفرض نفسه..إعادة الإعمار تحتاج إلى موانئ تعمل، إلى خطوط إمداد، إلى تجارة، إلى تنفس اقتصادي..وهنا يظهر الخليج العربي ليس كخصم بل كضرورة..الكويت مثلاً قد تصبح بوابة مهمة لحركة الإعمار، خصوصاً أن موانئ إيران تضررت بشكل كبير..ودولة الإمارات التي أصبحت مركزاً تجارياً عالمياً ستكون جزءاً من أي محاولة إيرانية للعودة إلى الأسواق.
هذه ليست مجاملة سياسية، بل حقيقة فرضتها الضربات الأخيرة.
قبول إيران بوقف إطلاق النار لم يكن قراراً نابعاً من رغبة في التهدئة بقدر ما كان اعترافاً ضمنياً بأن الاستمرار في المواجهة سيكلفها أكثر مما تستطيع تحمله..حتى عندما حاولت أن تلوّح بالرد، جاءتها رسائل واضحة من دول قريبة وصديقة بأن الوقت ليس مناسباً وأن التصعيد لن يخدمها فاختارت الصمت، وهو صمت غير مألوف في خطابها، لكنه كان الخيار الوحيد المتاح.
أما الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، فقد بدا وكأنه محاولة لاستعادة بعض الهيبة المفقودة. الجميع يعرف أن إغلاق المضيق ليس قراراً بسيطاً ولا خطوة يمكن اتخاذها دون حسابات معقدة..هو عمل يُعد في القانون الدولي تخريبياً وقد يفتح الباب أمام مواجهة لا يمكن لإيران تحملها الآن لذلك بقي التهديد مجرد كلام لا أكثر.
اقتصادياً الفجوة بين الخليج العربي وإيران أصبحت واضحة بشكل لا يمكن تجاهله..دول الخليج تمتلك اقتصاداً مستقراً وموانئ تعمل بكفاءة، وبنية تحتية قادرة على مواجهة الأزمات. أما إيران فتعاني من سنوات طويلة من العقوبات والتراجع، وجاءت الضربات الأخيرة لتزيد الطين بلة..وهذا يجعلها مضطرة للبحث عن علاقات أقل توتراً مع جيرانها، حتى لو كان ذلك على حساب خطابها التقليدي.
لكن كل هذا يبقى أقل خطورة من التحدي الداخلي. فالنظام الإيراني يعرف جيداً أن الخطر الحقيقي لايأتي من الخارج..الشعب الذي طُلب منه أن يضحي لحماية منشآت لم تستطع الدولة نفسها حمايتها، قد لا يقبل بسهولة الرواية الرسمية. ومع مرور الوقت، قد تتسع الفجوة بين الشارع والسلطة، خصوصاً إذا تأخرت عملية إعادة الإعمار أو ظهرت أزمات جديدة..وهذا ما يجعل القيادة الإيرانية أكثر توتراً من أي وقت مضى.
الأسابيع القادمة ستكون حاسمة.
هل ستتجه إيران نحو التهدئة وبناء علاقات واقعية مع الخليج العربي؟
أم ستعود إلى خطابها القديم؟
هل ستتمكن من احتواء غضب الداخل؟
أم سنشهد موجة جديدة من الاضطرابات؟
لا أحد يعرف لكن ما نعرفه هو أن المنطقة كلها بحاجة إلى الهدوء وأن الجغرافيا تفرض على الجميع أن يتعايشوا مهما اختلفت السياسات.
في النهاية..القوة ليست في عدد الصواريخ، بل في القدرة على بناء علاقات مستقرة والخليج العربي وإيران محكومان بأن يعيشا جنباً إلى جنب مهما ارتفعت الأصوات أو اشتدت الأزمات وربما يكون هذا الهدوء المؤقت فرصة لإعادة التفكير قبل أن تعود العاصفة من جديد.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *