الأسطورة والحقيقة
الأسطورة والحقيقة
يحدث أن نسمع قصة قديمة، فنشعر أنها ليست عن أشخاص بعيدين بل عنّا نحن..ربما لأن البشر يتشابهون مهما اختلفت الأزمنة..إحدى تلك القصص تتحدث عن رجل جاءه الموت فجأة لم يكن مستعداً، ولا يبدو أنه عرف يوماً كيف يستعد..حاول أن يطلب وقتاً إضافياً حتى لو كان يوماً واحداً..قيل له إن بإمكانه أن يأخذ من أعمار الآخرين، فذهب إلى أقرب الناس إليه والده أولاً، ثم والدته..كلاهما رفض، ليس كرهاً، بل خوفاً.. الإنسان يخاف أن يتنازل عن شيء لا يعرف كم بقي منه..وحده صديقه قال له: (خذ من عمري) قالها ببساطة كأن الأمر لا يحتاج تفكيراً..ربما لهذا بقيت القصة عالقة في الذاكرة.
لكن الحياة لا تمشي على خط مستقيم..دائماً هناك منعطفات لا تشبه ما نتوقعه.
كانت هناك امرأة أصابها مرض مفاجئ، وتوقفت كليتاها عن العمل..الأطباء قالوا إن الوقت ضيق، وإن الحل واضح تبرع من زوج أو أخ أو قريب.. الكلام كان مباشراً، لكن الردود لم تكن كذلك.. الزوج بدأ يقدّم أعذاراً كثيرة، مرة عن علاج في الخارج، ومرة عن ضرورة البحث عن متبرع آخر..إخوتها أيضاً تراجعوا، كل واحد منهم لديه سبب يبدو منطقياً حين يُقال، لكنه يبدو قاسياً حين يوضع أمام حياة إنسان..حتى والدها قال إنه كبير في السن، وإن جسده لم يعد يحتمل.
كانت المرأة على سرير المستشفى لا تطلب شيئاً. ربما كانت تفكر في كل الذين مرّوا في حياتها، وربما لم تفكر في أحد..المرض يجعل الإنسان ينكمش داخل نفسه..الأجهزة حولها تعمل بصوت ثابت، كأنها تحاول أن تقنعها بأن هناك أملاً، ولو صغيراً.
ثم جاء رجل لم يكن أحد يتوقعه قريب بعيد، تربّى في بيتها يوماً ما لم يتردد قال إنه مستعد للتبرع.. قالها وكأنه يقوم بعمل عادي لا بطولة فيه..ربما لأن بعض الناس لا يفكرون كثيراً حين يتعلق الأمر بالوفاء.
بدأت الفحوصات، واستعد الأطباء..وفي اللحظة التي كانوا يتهيأون فيها للعملية حدث شيء غريب..الكليتان عادتا للعمل فجأة بلا مقدمات.. الأطباء أعادوا الفحص مرة واثنتين وثلاثاً. النتيجة نفسها لم يجدوا تفسيراً ولم يحاولوا حتى. بعض الأشياء تحدث لأن الله يريد لها أن تحدث، وهذا يكفي.
لا أعرف إن كانت هذه القصة درساً أو مجرد صدفة جميلة..لكنني أعرف أن البشر ليسوا كما نظن دائماً..أحياناً يبتعد الأقربون ويقترب من لم نتوقعه..وأحياناً تأتي النجاة من مكان لا يخطر على بال أحد.