الحب الذي يظهر من دون إذن
الحب الذي يظهر من دون إذن
لا أعرف لماذا يظن الناس أنهم قادرون على إخفاء الحب..ربما لأننا نحب أن نبدو أقوياء أو لأن الاعتراف يجعلنا مكشوفين أكثر مما نحتمل. لكن الحقيقة التي رأيتها في حياتي، وفي وجوه كثيرين مرّوا أمامي، أن الحب لا ينتظر إذناً ليظهر..يكفي أن يدخل قليلاً حتى يبدأ يترك علامات صغيرة، علامات لا ينتبه لها صاحبها، لكن الآخرين يرونها بوضوح غريب.
أتذكر مرة كنت جالساً مع صديق لي، وكان يتحدث بثقة عن أنه (ما يحس بشيء) تجاه فتاة معينة..كان يقولها وكأنه مقتنع فعلاً..لكن في اللحظة التي ظهرت فيها، تغيّر كل شيء..لم يكن شيئاً كبيراً فقط طريقة جلوسه، صوته الذي صار أخف، وحتى يده التي توقفت عن الحركة..لم يكن يدرك ذلك، لكنه كان مكشوفاً أكثر من أي اعتراف..هذه التفاصيل الصغيرة لايمكن أن يصنعها الذكاء الاصطناعي، ولا يمكن أن يخفيها الإنسان حين يحب.
والحب غريب، ليس لأنه جميل أو مؤلم، بل لأنه يغيّر الإنسان دون أن يشعر..فجأة تجد نفسك تهتم بأشياء لم تكن تعني لك شيئاً..تهتم بملابسك، بطريقة كلامك، حتى بطريقة ردك على الرسائل. ليس لأنك تريد أن تتصنع، بل لأنك تريد أن تكون أفضل أمام شخص واحد فقط..وهذا وحده كافٍ ليعرف من حولك أنك لست كما كنت.
أحياناً ترى الحب في نظرة، وأحياناً في صمت طويل، وأحياناً في ارتباك بسيط.
رأيت رجلاً كان يتظاهر بأنه لايهتم، لكنه كلما سمع اسم معيّن، كان يغيّر الموضوع بسرعة، وكأنه يخشى أن ينكشف..ورأيت امرأة كانت تحاول أن تبدو عادية، لكنها كلما رأت الشخص الذي تحبه، كانت تلمس شعرها بلا سبب، أو تضحك بطريقة مختلفة..هذه الأشياء لا تُدرَّس، ولا تُخطَّط، ولا تُكتب في كتب..تحدث وحدها.
والحب المتبادل شيء آخر تماماً..ليس لأنه مثالي، بل لأنه يخفف ثقل الحياة..وجود شخص واحد فقط يفهمك دون شرح طويل، هذا وحده كافٍ ليجعل يومك أقل قسوة..رأيت أشخاصاً كانوا يعيشون في دوامة من التوتر، ثم دخل الحب حياتهم، فصاروا أهدأ، كأنهم وجدوا مكاناً يليق بهم..ليس لأن الحب حل مشاكلهم، بل لأنه أعطاهم سبباً ليبتسموا، وهذا وحده يكفي أحياناً.
لكن ليس كل الناس محظوظين بهذا النوع من الحب..هناك من يحبون بصمت، ينتظرون شيئاً لايأتي..هذا النوع من الحب مؤلم، لكنه صادق بطريقة لايمكن إنكارها يشبه أنك تمسك شيئاً تعرف أنه سينزلق من يدك، لكنك لا تستطيع تركه.
رأيت فتاة كانت تحب شخصاً لا يشعر بها، وكانت تحاول أن تبدو قوية، لكنها كلما تحدثت عنه، كانت عيناها تلمع بطريقة لايمكن إخفاؤها..ورأيت شاباً كان يضحك كثيراً حين يُذكر اسم معيّن، ثم يسكت فجأة، وكأنه تذكّر أن الأمر من طرف واحد.
الحب من طرف واحد يعلّمك الكثير رغم أنه يوجعك..يريك حدودك..ويكشف لك ما تستطيع احتماله وما لا تستطيع..يجعلك تفهم نفسك أكثر، حتى لو لم تحصل على ما تريد..وهذا شيء لايقوله الناس كثيراً لكنه حقيقي.
والأغرب أن الحب لا يحتاج إلى كلمات ليظهر.. يكفي أن يكون موجوداً ليترك أثره..في طريقة مشيك، في صوتك، في شرودك المفاجئ، في اهتمامك غير المبرر..الناس الذين يعرفونك جيداً يلاحظون ذلك قبل أن تلاحظ أنت نفسك..وكأن الحب يخرج من بين أصابعك مهما حاولت أن تمسكه.
أحياناً يبدأ الحب من شيء صغير جداً..كلمة عادية، موقف بسيط، لحظة قصيرة..ثم يكبر دون أن تشعر..تجد نفسك تفكر في شخص معيّن أكثر مما يجب، وتنتظر رسالته دون أن تعترف بذلك، وتفرح لسبب لا تفهمه حين تراه.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تكشفك لاالكلمات الكبيرة.
لهذا أقول دائماً إن الحب لا يمكن إخفاؤه..ليس لأنه قوي بل لأنه صادق..والصادق لايعرف كيف يختبئ.