حين يوقظك الفشل من نومك الطويل
حين يوقظك الفشل من نومك الطويل
أحياناً أفكر في تلك اللحظات التي كدتُ أستسلم فيها..اللحظات التي شعرت فيها أنني أدور في نفس الدائرة، وأن الطريق الذي اخترته لم يكن لي من البداية..الغريب أن هذه اللحظات، رغم قسوتها، هي التي صنعت في داخلي شيئاً يشبه البوصلة..لم تكن بوصلة دقيقة، لكنها كانت كافية لأعرف أنني لا أريد أن أبقى في المكان نفسه. ربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل الفشل ضرورياً أنه يوقظك بطريقة لايفعلها النجاح.
أتذكر مرة أنني كنت أعمل على مشروع صغير، شيء لا يهم أحداً غيري ومع ذلك كنت أضع عليه آمالاً أكبر من حجمه..فشل المشروع، ليس لأنني لم أعمل، بل لأنني كنت أعمل بطريقة عمياء، أكرر ما رأيته عند الآخرين دون أن أفهم لماذا يفعلونه..يومها شعرت بشيء يشبه الصفعة..ليس لأنني خسرت، بل لأنني أدركت أنني كنت أقلد أكثر مما أبتكر..وهذا شيء لا يعترف به الإنسان بسهولة، لأن الاعتراف به يعني أنك لم تكن تعرف نفسك جيداً.
منذ ذلك اليوم بدأت أراقب أخطائي بطريقة مختلفة..لم أعد أهرب منها، ولم أعد أبررها. صرت أتعامل معها كأنها رسائل شخصية، رسائل لا يقرأها غيري..أحياناً كانت الرسالة واضحة، وأحياناً كانت غامضة لدرجة تجعلني أحتاج أياماً لأفهمها..لكنني لاحظت شيئاً مهماً.. كل خطأ كنت أرتكبه كان يفتح لي باباً لم أنتبه له من قبل..كأن الفشل ليس نهاية، بل بداية طريق لم أكن سأراه لو أن كل شيء سار كما أريد.
الناس يحبون الحديث عن النجاح، لكنهم نادراً
مايتحدثون عن تلك اللحظات الصغيرة التي سبقت النجاح..اللحظات التي كنت تجلس فيها وحدك.. تفكر، تتردد، تشك في نفسك، ثم تقرر رغم كل شيء أن تكمل..هذه اللحظات لا تُكتب في السير الذاتية، ولا تُذكر في المقابلات، لكنها هي الحقيقة..النجاح ليس صورة جميلة، بل سلسلة طويلة من القرارات التي اتخذتها وأنت غير متأكد.
أحيانًا أسأل نفسي:
لماذا نحتاج إلى هدف؟
لماذا لا نعيش فقط كما تأتي الأيام؟
لكنني أعرف الإجابة، حتى لو لم أقلها بصوت عالٍ..الإنسان يحتاج شيئاً يركض نحوه، شيئاً يشعره أن خطواته لها معنى..ليس شرطاً أن يكون الهدف كبيراً أو لامعاً يكفي أن يكون حقيقياً…يكفي أن يكون نابعاً من داخلك، لا من توقعات الآخرين.
رأيت أشخاصاً عاشوا سنوات وهم يطاردون أهدافاً ليست لهم، فقط لأن المجتمع قال إنها مهمة..وفي النهاية اكتشفوا أنهم كانوا يركضون في طريق لا يشبههم.
أنا شخصياً لم أعرف هدفي منذ البداية..كنت أتنقل بين الأشياء كأنني أبحث عن شيء لا أعرف اسمه..جربت الكتابة، ثم تركتها، ثم عدت إليها. جربت العمل في مجالات لا تشبهني، فقط لأكتشف أنني لا أستطيع أن أعيش حياة لا تشبه صوتي الداخلي..ربما هذا هو الشيء الوحيد الذي تعلمته من كل تلك التجارب أن الهدف لا يأتيك جاهزاً بل تكتشفه وأنت تمشي.
أحياناً ألتقي بأشخاص يظنون أن النجاح يحتاج إلى ظروف مثالية..ينتظرون اللحظة المناسبة، الفرصة المناسبة، المزاج المناسب..لكنني لم أشاهد أحداً وصل إلى شيء مهم لأنه انتظر..الذين يصلون هم الذين يتحركون، حتى لو كانت خطواتهم غير متوازنة..الذين يجربون، حتى لو فشلوا..الذين يغيرون الطريق عندما يشعرون أن الطريق الأول لم يعد يناسبهم.
النجاح ليس خطاً مستقيماً بل طريق مليء بالالتفافات، وبعضها مؤلم، وبعضها مربك، وبعضها يفتح لك نافذة لم تكن تتوقعها.
أعرف شخصاً كان يعمل في وظيفة لا يحبها لكنه بقي فيها سنوات لأنه كان يخاف من التغيير..كان يقول دائماً إنه سيبدأ مشروعه الخاص (عندما تتحسن الظروف) الظروف لم تتحسن، لكنه هو الذي تغير..في يوم ما، دون تخطيط، استقال..لم يكن لديه خطة واضحة، لكنه كان يعرف شيئاً واحداً أنه لا يريد أن يكمل حياته في مكان
لايشعر فيه بأنه حي.
اليوم، بعد سنوات، يقول إنه لم يندم لحظة واحدة. ليس لأنه نجح فوراً بل لأنه شعر لأول مرة أنه يعيش حياته هو لا حياة شخص آخر.
أحياناً أفكر في هذا المثال وأقول لنفسي:
ربما النجاح ليس أن تصل بل أن تتحرك..أن ترفض الجمود..أن ترفض أن تكون مجرد متفرج في حياتك..أن تفعل شيئًا..أي شيء، حتى لو كان صغيرًا..الخطوات الصغيرة تصنع فرقاً لا تتخيله إلا عندما تنظر إلى الوراء.
كل ما أعرفه الآن أن الطريق ليس واضحاً دائماً وأن الفشل ليس عدواً كما نعتقد، وأن الهدف ليس شيئاً نكتشفه في يوم واحد..كل شيء يحتاج وقتًا، وصبراً وصدقاً مع النفس..وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل الرحلة تستحق أنها رحلة، وليست سباقاً.