الحب الذي لا يحتاج إلى مناسبة

الحب الذي لا يحتاج إلى مناسبة

لا أعرف لماذا يعود الحديث عن الحب كلما مرّ يوم يشبه (الفلنتاين) أو اقترب منه وكأن البشر يحتاجون إلى مناسبة كي يعترفوا بأن قلوبهم
ما زالت قابلة للاهتزاز..ومع ذلك لا أكتب الآن لأولئك الذين يوزّعون الكلمات كما يوزّع الباعة الورود في الشوارع ولا لأولئك الذين يظنون أن الحب مجرد صورة تُلتقط وتنتهي.
أكتب لمن لم يختبر الحب بعد، أو لمن عرفه مرة واحدة ثم بقي يعيش على صداه، كمن يحتفظ بعلبة عطر فارغة فقط لأنه لا يريد أن ينسى رائحتها.
هناك دائماً شخص لم يحب بعد، ليس لأنه لا يريد، بل لأن قلبه لم يجد تلك اللمسة التي توقظه.. وهناك آخر أحب مرة واحدة، حباً لم يكن عادياً، حباً ترك فيه شيئاً لا يمكن استعادته..هؤلاء هم الذين أفكر فيهم..الذين يعرفون أن الحب ليس حدثاً، بل أثر..ليس قصة، بل ندبة..ليس وعداً، بل سؤالاً لا ينتهي.
ولأن البشر لا يتعلمون من التاريخ إلا
مايشبههم، يعودون دائماً إلى قصص العشاق. (قيس) الذي ظل يطارد ظل (ليلى) حتى صار هو نفسه ظلاً..(جميل) الذي كان يرى (بثينة) في كل امرأة ثم يكتشف أنها ليست هي..(عروة) الذي لم يستطع أن ينسى (عفراء) حتى وهو يحتضر.
هذه القصص ليست مجرد تراث، بل دليل على أن الحب كان دائماً أكبر من قدرة الناس على احتماله.
وليس العرب وحدهم من عاشوا هذا الجنون. (دانتي) الذي ظل يكتب عن (بياتريس) وكأنه يكتب عن فكرة لا عن امرأة..(غوته) الذي لم يستطع أن يخرج (كريستينا) من رأسه حتى وهو يكتب عن غيرها..(بوشكين) الذي جعل من امرأة واحدة سبباً لقصائد كاملة..وكأن العالم كله، مهما اختلفت لغاته، يتفق على أن المرأة ليست مجرد حضور، بل شرارة تُشعل اللغة.
لكن بعض النساء لم يكن مجرد شرارة لرجل واحد، بل ناراً لعصر كامل..(مي زيادة) مثلاً لم تكن ملهمة عابرة..كانت امرأة إذا دخلت غرفة تغيّر الهواء فيها..كانت تجمع بين رقة تكاد تُكسر، وقوة تجعل أقسى الرجال يتلعثمون..لم يكن (العقاد) يكتب عنها لأنه شاعر فقط بل لأنه كان عاجزاً أمام حضورها..ولم يكن (الرافعي) يرسل رسائله لأنه عاشق فقط، بل لأنه كان يشعر أن هناك شيئاً فيها لايمكن الإمساك به..شيء يشبه الضوء تراه لكنه يفلت منك.
(سكينة بنت الحسين) قبلها كانت تفعل الشيء نفسه، لكن الزمن كان مختلفاً، والناس كانوا أكثر حذراً في الكلام عنها..أما (مي) فكانت مكشوفة أمام الجميع وهذا ما جعلها أكثر هشاشة..كانت امرأة تعيش بين عالمين عالم الجسد الذي يطلب قرباً وعالم الروح الذي يطلب شيئاً لا يمكن تسميته..وربما لهذا السبب انجذبت إلى (جبران) ذلك العاشق الذي لم يلمسها يوماً لكنه لمس شيئاً فيها لم يلمسه أحد.
الحب حين يصل إلى هذا المستوى، لا يعود علاقة بين شخصين بل يصبح مساحة ثالثة لا يملكها أحد..يصبح شيئاً يشبه الحلم واضحاً وغامضاً في الوقت نفسه..قريباً وبعيداً..ممكناً ومستحيلاً. وربما لهذا السبب يظل الناس يكتبون عنه منذ آلاف السنين، وكأنهم يحاولون أن يفهموا ما لا يُفهم.
لا أحد يعرف كيف يبدأ الحب، ولا لماذا يبدأ، ولا لماذا يختار شخصاً دون آخر..لكنه حين يأتي، يغيّر كل شيء..يجعل الإنسان يرى نفسه بطريقة مختلفة، ويعيد ترتيب العالم حوله..وربما لهذا السبب، رغم كل ما قيل عنه، ورغم كل ما كُتب، يظل الحب أكبر من اللغة، وأكبر من الفهم، وأكبر من القدرة على شرحه.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *