هل هناك ما يسمى ب الحب الأول؟

هل هناك ما يسمى ب الحب الأول؟

كان الحديث عن الحب الأول دائماً يجيء محملاً بنبرة لا تشبه أي حديث آخر..كأن كل واحد منا، مهما تقدم به العمر، يحتفظ في داخله بزاوية صغيرة لايمرّ بها كثيراً لكنه يعرف أنها موجودة.. زاوية لا تتعلق بالشخص الذي أحببناه بقدر
ماتتعلق بنا نحن، بنسختنا القديمة التي لم تكن تعرف شيئاً عن الحذر ولا عن التجربة، ولا عن الطريقة التي تتبدّل بها المشاعر حين يكبر الإنسان.
في بدايات عملي الاجتماعي والصحفي كنت أستمع لقصص الناس أكثر مما أكتب عنها..كنت ألاحظ أن الحب الأول لا يعود لأنه كان عظيماً بل لأنه كان بسيطاً..بسيطاً لدرجة أننا لم نكن نعرف كيف نتعامل معه..كنا نأخذ الأمور بجدية مبالغ فيها، ونغضب لأسباب صغيرة، ونفرح لأسباب أصغر..كانت المشاعر تتحرك بلا إذن بلا حساب، بلا خوف من الغد..وربما لهذا السبب تحديداً حين يعود إلى الذاكرة، يعود خفيفاً، بلا مطالب، كأنه يمرّ ليذكّرنا فقط بأننا كنّا يوماً مختلفين.
سمعت رجلاً في الستين يقول مرة: (ما أتذكرها هي التفاصيل الصغيرة..طريقة الكلام، ضحكة كانت تطلع بلا سبب، انتظار ما كنت أعرف له نهاية)
لم يكن يتحدث عن امرأة بقدر ما كان يتحدث عن نفسه..وهذا ما يجعل الحب الأول مختلفاً عن كل ما يأتي بعده..نحن لا نتذكر الشخص، بل نتذكر أنفسنا معه..نتذكر كيف كنّا نرى العالم، وكيف كنّا نصدّق أن الأشياء يمكن أن تبقى كما هي.
ومع ذلك لا يمكن تجاهل أن بعض قصص الحب الأول استمرت، وتحولت إلى زواج، وإلى حياة كاملة..لكن هذه ليست الصورة الشائعة..أغلب القصص توقفت عند حدودها الطبيعية، لأن أصحابها تغيّروا، أو لأن الحياة دفعتهم إلى طرق أخرى..وهذا ليس نقصاً في الحب، بل طبيعة الإنسان..فالقلب الذي يحب في السابعة عشرة ليس هو القلب الذي يختار في الثلاثين.
قرأت مرة دراسة تتحدث عن أن الإنسان لا ينسى التجربة الأولى لأنه عاشها بلا خبرة، بلا دليل، بلا استعداد..التجربة الأولى دائماً تترك أثراً أكبر مما تستحق، سواء كانت نجاحاً أو خسارة أو حباً. وهذا يفسّر لماذا يعود الحب الأول إلى الذاكرة حتى لو لم يعد إلى الحياة.
وفي هذا السياق الكاتب والمدون (فهد الحربي) يقول:
إن الحب الأول ليس معياراً للحب، ولا هو مقياس لصدق المشاعر، لكنه محطة من محطات العمر، لها مكانها لأنها جاءت في وقت لم نكن فيه نعرف أنفسنا كما نعرفها اليوم..
ويرى أن المجتمعات الخليجية والعربية كثيراً ما تمنح الحب الأول حجماً أكبر من حجمه بينما الحب الذي يُبنى عليه العمر هو الحب الذي يأتي بعد أن ينضج الإنسان، ويعرف ما يريد، ويعرف كيف يبقى ومع ذلك، لا ينكر أن للحب الأول نكهته الخاصة، لأنه الوحيد الذي دخلناه بلا حسابات، وبلا خوف، وبلا تجارب سابقة، ولأنه الوحيد الذي لم نكن نعرف أنه سينتهي، فصدقناه أكثر مما يجب.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *