عدم الثقة بالنفس
عدم الثقة بالنفس
يحدث أن يستيقظ الإنسان في صباح ما وهو يشعر بأن شيئاً ما في داخله قد انطفأ، أو ربما لم يعد كما كان..لا يعرف السبب بدقة، ولا يستطيع أن يحدد اللحظة التي بدأ فيها هذا الشعور بالتكون، لكنه يدرك أنه لم يعد يرى نفسه كما كان يراها من قبل..كأن مرآته الداخلية قد غامت، أو كأن صورته فيها لم تعد واضحة..هذا الشعور، الذي يسميه الناس
(عدم الثقة بالنفس) ليس حالة طارئة، ولا هو مزاج عابر، بل هو تراكم طويل، يتشكّل بصمت، ويكبر دون أن ينتبه صاحبه.
قد يبدأ الأمر من كلمة قيلت في وقت لم يكن فيه مستعداً لسماعها، أو من مقارنة لم يكن لها داعٍ، أو من موقف بسيط ظن أنه تجاوزه، لكنه بقي عالقاً في زاوية ما من الذاكرة..وربما يبدأ من طفولة لم تجد فيها النفس ما تحتاجه من الطمأنينة، أو من شباب امتلأ بمحاولات لم تجد من يقدّرها..الإنسان لا ينهار فجأة، بل يتآكل ببطء، حتى يجد نفسه في يوم ما عاجزاً عن رؤية ما فيه من قوة.
واللافت أن من يعاني من ضعف الثقة ليس شخصاً ضعيفاً كما يظن البعض، بل هو غالباً شخص مرهف، يرى التفاصيل التي لا يراها غيره، ويشعر بما لا يشعر به الآخرون..هو شخص يحاسب نفسه أكثر مما ينبغي، ويعيد النظر في كل خطوة، ويخشى أن يخطئ، لا لأن الخطأ عيب، بل لأنه يخاف أن يكون الخطأ دليلاً جديداً على نقص يظنه فيه..يعيش داخل رأسه أكثر مما يعيش في العالم، ويستنزفه التفكير أكثر مما تستنزفه الحياة نفسها.
وفي العلاقات، يظهر هذا الاضطراب بوضوح أكبر..فالشخص الذي لا يثق بنفسه يخشى أن يُساء فهمه، فيبالغ في الشرح..يخشى أن يُترك، فيتعلّق..يخشى أن يُخدع، فيراقب..ليس لأنه يشك في الآخرين، بل لأنه يشك في نفسه..يظن أنه لايستحق الحب كما ينبغي، أو أنه أقل مما يتوقعه الآخرون منه، أو أن وجوده عبء لا يصرّح به أحد..وهذا الشعور يرهقه، ويجعل علاقاته أكثر هشاشة مما تبدو عليه.
والمجتمع، بطريقته المعتادة، لا يرحم..فالكلمات التي تُقال على سبيل المزاح قد تترك أثراً لايزول..والنقد الذي يُقال بلا حكمة قد يتحوّل إلى جرح طويل..والمقارنات التي يظن الناس أنها تحفيز قد تصبح عبئاً ثقيلاً.
هناك من يكبر وهو يسمع أنه (ليس كافياً) وهناك من يعيش وهو يحاول أن يثبت عكس ما قيل له، وهناك من يتظاهر بالقوة بينما داخله يتداعى.
ومع ذلك يبقى الإنسان قادراً على استعادة نفسه، ولو بعد حين..فالثقة لا تعود دفعة واحدة، بل تعود على شكل لحظات صغيرة..لحظة يدرك فيها أنه تجاوز شيئاً كان يخيفه..لحظة يسمع فيها كلمة صادقة تعيد إليه شيئاً من روحه..لحظة ينجح فيها في أمر ظن أنه لن يقدر عليه..لحظة يرى فيها نفسه بعين أكثر رحمة.
هذه اللحظات، وإن بدت بسيطة، إلا أنها تبني في الداخل ما تهدّم.
والثقة بالنفس ليست ادعاءً ولا صخباً ولا مظهراً خارجياً..ليست أن يقف الإنسان أمام الناس متماسكاً، ولا أن يتحدث بثبات، ولا أن يخفي ضعفه..الثقة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان قيمته حتى في الأيام التي يشعر فيها بأنه أقل..أن يعترف بأنه يتعب، لكنه لا ينهزم..أن يخطئ دون أن يجلد نفسه..أن يحاول مرة أخرى دون أن يخجل من محاولته الأولى..أن يتعامل مع ذاته كما يتعامل مع شخص يحبه بلطف، وبصبر، وبإيمان..والأهم من ذلك كله أن يدرك الإنسان أن قيمته لاتُقاس بما يراه الآخرون، ولا بما يقوله أحد..ولابما ينجزه أو يفشل فيه..قيمته ثابتة، حتى لو لم يرها هو في بعض الأيام..وأن الطريق إلى الثقة ليس طريقاً مستقيماً، بل طريق متعرّج، فيه سقوط وقيام، وفيه تردّد وإقدام، وفيه خوف وشجاعة..لكن المهم أن يستمر في السير، ولو بخطوات بطيئة.
إن عدم الثقة بالنفس ليس نهاية، بل مرحلة.. مرحلة قد تطول، وقد تتعب، لكنها ليست قدراً محتوماً..والإنسان مهما بدا ضعيفاً، يحمل في داخله قدرة على النهوض لايعرفها إلا حين يضطر إليها..يكفي أن يمنح نفسه فرصة، وأن يتوقف عن النظر إليها بعين قاسية، وأن يدرك أن ما مرّ به لم يكن سهلاً، وأنه رغم ذلك ما زال واقفاً.
يقول الكاتب والمدون (فهد الحربي) :
إن الإنسان لا يُقاس بما يظهر منه، بل بما يخفيه.. كثيرون يمشون بيننا بقلوب مثقلة، يحملون ما لا نراه، ويبتسمون رغم تعبهم..عدم الثقة بالنفس ليس ضعفاً، بل أثر من آثار الأيام التي لم تكن عادلة..وما دام الإنسان قادراً على الاعتراف بما يؤلمه، فهو قادر على تجاوزه..
لاتبحث عن نسخة مثالية منك، ولا تنتظر من العالم أن يمنحك قيمة..قيمتك تأتي من داخلك، من محاولاتك، من صبرك، من الأيام التي نهضت فيها رغم أنك كنت تظن أنك لن تنهض..كن رفيقاً بنفسك، فالحياة قاسية بما يكفي، ولا تحتاج إلى أن تكون قاسياً عليها أيضاً.