النبي يوسف عليه السلام وأمثلة مشابهه

النبي يوسف عليه السلام وأمثلة مشابهه

كلما عدت إلى قصة يوسف عليه السلام أشعر أنها ليست قصة نبي فقط، بل قصة بيت يشبه بيوت الناس، وأبٍ يشبه كثيراً من الآباء الذين نراهم حولنا.
يعقوب عليه السلام أحب يوسف، وهذا أمر يحدث في كل أسرة تقريباً، أن يميل القلب إلى واحد دون أن يعرف صاحبه لماذا..ربما لأن الطفل يشبه الأم، أو لأن صوته هادئ، أو لأنه جاء بعد انتظار طويل..الأسباب لا تهم، المهم أن القلب يميل، والآخرون يشعرون.
إخوة يوسف لم يكونوا شياطين، كانوا بشراً.. والغيرة حين تدخل القلب تغيّر الإنسان..ربما لو جلس أحدهم مع نفسه يومها لقال: (لماذا أغار؟ والدي يحبني أيضاً) لكن الغيرة لا تسمح بهذا النوع من التفكير..هي نار صغيرة، لكنها إذا اشتعلت لا تترك في القلب مكاناً للهدوء..وهكذا وجدوا أنفسهم يفكرون في التخلص من أخيهم
لا لأنهم يكرهونه، بل لأنهم يريدون أن يطفئوا شيئاً يحرقهم من الداخل.
الغريب أن هذه القصة تتكرر حتى اليوم، وإن اختلفت التفاصيل..أعرف عائلات كثيرة، بعضها قريب مني، كان فيها ابن مميز، ليس لأنه الأفضل، بل لأن الأب أو الأم أحبّاه أكثر..فيكبر الإخوة وهم يشعرون أن هناك ميزاناً مختلاً. بعضهم يتجاوز الأمر، وبعضهم يظل يحمل هذا الشعور معه حتى الكبر..رأيت رجلاً في الخمسين ما زال يتحدث عن تفضيل أبيه لأخيه الأصغر، وكأن الأمر حدث أمس.
وفي المقابل، رأيت أبناءً أحبهم آباؤهم حباً زائداً، فصار هذا الحب عبئاً عليهم..الابن المفضل دائماً تحت الضوء، دائماً مطالب بأن يكون الأفضل، وكأن حب الأب له مسؤولية لا يستطيع الهروب منها.
يوسف نفسه مرّ بهذا..كان محبوباً، لكنه دفع ثمن هذا الحب غربة وسجناً ودموعاً كثيرة.
وإذا تركنا البيوت العادية ونظرنا إلى بيوت السياسيين والمشاهير، نجد أن القصة تتكرر بطريقة أخرى..كم من زعيم اعتمد على ابنته أو ابنه في إدارة شؤونه، حتى صار الابن هو (الظل) الذي لا يراه الناس لكنه موجود في كل قرار..وكم من أبناء آخرين عاشوا في الهامش، لا لأنهم أقل كفاءة، بل لأن الأب اختار واحداً وترك الباقين. يحدث هذا في القصور كما يحدث في البيوت الصغيرة.
ما يدهشني في قصة يوسف ليس ما فعله الإخوة، بل ما فعله يوسف نفسه..الإنسان العادي حين يُظلم يظل يحمل جرحه معه، وربما ينتظر اللحظة التي يرد فيها الظلم..لكن يوسف، بعد كل ما مرّ به، وقف أمام إخوته وقال لهم كلاماً لا يقوله إلا من تجاوز نفسه: (لا تثريب عليكم) كأنه كان يرى أن ما حدث جزء من طريق طويل، وأن الله كان يدبّر له أمراً أكبر من كل ما خطط له البشر.
وربما لهذا السبب بقيت القصة حيّة..ليست قصة نبي فقط، بل قصة بشر..قصة أب أحبّ، وأبناء غاروا، وأخ صبر، وقدر سار في طريقه..وكلما رأينا أسرة تتصدّع بسبب تفضيل، أو أخاً يغار من أخيه، أو أباً لا يعرف كيف يعدل بين أبنائه، نتذكر يوسف وإخوته، ونفهم أن ما يحدث اليوم ليس جديداً، وأن القلب البشري هو نفسه منذ آلاف السنين.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *