حقيقة: شهرزاد من لحم ودم

حقيقة: شهرزاد من لحم ودم

أحياناً أفكر أن الناس يبالغون حين يصرون على أن (شهرزاد) مجرد خيال..يقولونها بثقة غريبة، وكأن الخيال شيء منفصل عن حياتنا..شيء يعيش في الكتب ولا علاقة له باللحم والدم..لكنني كلما أعدت قراءة حكاياتها، شعرت أن هذه المرأة كانت موجودة فعلاً، وربما كانت أقرب إلينا من كثيرين نلتقيهم كل يوم ولا يتركون فينا أثراً.
الخيال ليس وهماً..الخيال هو الواقع حين يتخفف من ثقله، حين يخلع عنه الغبار ويظهر كما كان يجب أن يكون..الفن العظيم لا يخترع البشر من العدم، بل يلتقط ما يتناثر منهم في الحياة ويعيد تشكيله..لذلك حين أقول إن (شهرزاد) امرأة حقيقية فأنا لا أبحث عن قبر لها، ولا عن صورة قديمة، بل أبحث عن تلك الروح التي استطاعت أن توقف ملكاً غاضباً عن القتل لا بالسيف ولا بالتهديد بل بالكلمة.
تخيل أن امرأة تدخل على رجل فقد عقله من شدة الخيانة، رجل يقتل كل ليلة امرأة جديدة كي يطفئ شيئاً يحترق داخله، ثم تقرر أن تواجهه بالحكاية.. ليس بالدموع، ولا بالهرب، ولا بالاستسلام بالحكاية فقط..هذا وحده يكفي ليجعلها أكثر واقعية من كثير من الشخصيات التي نراها في التاريخ ونشك في وجودها.
ولأن الفن يعرف كيف يختار من يبقى، بقيت (شهرزاد)..بقيت حتى صارت جزءاً من ذاكرة العالم..بقيت حتى جعلت أستاذاً جامعياً في بلد بعيد يترك أبحاثه ويغوص في خمسة وثلاثين جزءاً من (ألف ليلة وليلة) ليعيد كتابتها في جزء واحد. لم يفعل ذلك لأنه يحب التحدي، بل لأن شيئاً في هذه الحكايات ناداه..شيء يشبه صوتاً خافتاً يقول له: (أعدني إلى الحياة) الأعمال العظيمة تفعل ذلك تطرق بابك دون موعد، وتطلب منك أن تمنحها فرصة جديدة.
ولأن العالم، رغم كل شيء، لا يزال يعرف قيمة الجمال، وجد الرجل من يدعمه، ومن ينشر كتابه، ومن ينتظر النسخة الجديدة..هذا وحده يكفي لنعرف أن (شهرزاد) ليست مجرد شخصية خيالية..الخيال الذي يظل حياً ألف عام ليس خيالاً، بل حقيقة من نوع آخر، حقيقة لا تحتاج إلى جسد كي تستمر.
حين نقترب من (شهرزاد) نكتشف أنها لم تكن مجرد راوية..كانت امرأة تفهم البشر..تفهم أن (شهريار) لم يكن يكره النساء، بل كان يكره ضعفه..كان يكره تلك اللحظة التي انكسر فيها ولم يجد من يرمم روحه..كانت تعرف أن الجهل هو الذي يدفع الإنسان إلى العدوان، وأن العلاج ليس في العقاب، بل في الفهم..لذلك لم تدخل عليه لتنتقم، بل لتعلّمه..كانت تعرف أن الحكاية تستطيع أن تفعل ما لا يفعله السيف.
ومع ذلك، هناك سؤال يظل يطوف حول النص: كيف استطاعت أن تحكي ثلاث سنوات دون أن يذكر الكتاب شيئاً عن إنجابها؟
هل كان (شهريار) منشغلاً بالحكاية أكثر من انشغاله بالمرأة؟
أم أن (شهرزاد) نفسها لم تكن تريد أن تتحول إلى أم قبل أن تتحول إلى مُنقذة؟
ربما أراد النص أن يقول لنا إن العلاقة بينهما لم تكن علاقة جسد، بل علاقة عقلين يحاولان أن ينجوا من الظلام.
الحكايات ليست ترفاً..نحن نتعلم من القصص أكثر مما نتعلم من الكتب المدرسية..المدارس تعطينا المعلومات، لكن الحكايات تعطينا الحكمة. المعلومات يمكن لأي جهاز أن يخزنها، أما الحكمة فلا تأتي إلا من قصة تُروى بصدق، من تجربة تُحكى دون خوف..لهذا كانت (شهرزاد) أخطر من أي معلم..كانت تعرف أن الإنسان
لايتغير بالمواعظ، بل بالقصص التي تلمس قلبه دون أن يشعر.
ولو أننا في عالمنا العربي أدركنا قيمة الحكاية، لدرّسنا (كليلة ودمنة) لطلاب السياسة، ولجعلنا (ألف ليلة وليلة) مادة أساسية في علم النفس والاجتماع..لكننا نكرر كلمة (تراث) دون أن نفهم معناها..التراث ليس ما نضعه في المتاحف بل
مانستخدمه لنفهم أنفسنا..و(شهرزاد) ليست مجرد جزء من التراث، بل هي مرآة نرى فيها
مايمكن أن نصبح عليه لو امتلكنا الشجاعة والخيال.
اليوم حين أنظر إلى حال الدراما العربية، أشعر أن شيئاً ما ضاع..لم يعد أحد يحكي لنا حكاية تجعلنا أفضل..لم يعد هناك من يوقظ فينا الإنسان الذي كدنا نفقده..كل شيء صار سريعاً، سطحياً، بلا روح..وكأن (شهرزاد) غادرت المسرح ولم تترك خلفها من يحمل رسالتها.
ربما لهذا السبب نعود إليها كلما ضاقت بنا الحياة.. نبحث عنها في الكتب، في الذاكرة، في تلك الليالي التي نحتاج فيها إلى صوت يهدئ خوفنا..نبحث عنها لأننا نحتاج إلى امرأة تعرف كيف تُطفئ غضب ملك، وكيف تُعيد بناء إنسان، وكيف تجعل الليل الطويل أقل قسوة.
أين أنت (يا شهرزاد)
لقد طال غيابك.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *