وجوه تودع الحياة

وجوه تودع الحياة

هناك لحظات في الحياة لا يمكن للإنسان أن يتهيأ لها مهما حاول..لحظات تأتي بلا موعد، بلا استعداد، بلا قدرة على التراجع.
والموت رغم أنه الحقيقة الأكثر ثباتاً في هذا العالم، يبقى الحدث الذي يفاجئنا كل مرة، حتى حين نعرف أنه قادم..ربما لأن الإنسان بطبيعته يهرب من التفكير في النهاية، كأنها شيء يخص الآخرين فقط، أو كأنها صفحة مؤجلة لا يريد فتحها.
لكن حين يقترب الموت من أحد، يتغير كل شيء.. يصبح الزمن أبطأ، والوجوه أوضح، والكلمات أثقل..ترى في عيون من يرحلون شيئاً لايشبه أي شيء آخر مزيجاً من الإدراك والهدوء، والدهشة، وكأنهم اكتشفوا فجأة ما كان غائباً عنهم طوال العمر..هناك من يبتسم، وهناك من يهمس، وهناك من يفتح عينيه كأنه يرى ما لا نراه..وكل كلمة يقولونها في تلك اللحظة تبدو وكأنها خرجت من مكان عميق جداً مكان لايصل إليه الإنسان إلا حين يقف على حافة الوجود.
الغريب أن الذين عاشوا حياة صاخبة، مليئة بالإنجازات أو الصراعات أو الشهرة، يصبحون في النهاية مثل أي إنسان آخر..لا فرق بين عالم ومزارع ولا بين شاعر ورجل بسيط..الجميع يعودون إلى ذات النقطة..جسد يثقل، وروح تستعد للرحيل، وذاكرة تمر أمامهم كأنها شريط قصير رغم طول السنين.
في تلك اللحظة، لا أحد يتحدث عن المال، ولا عن الانتصارات الصغيرة، ولا عن الأشياء التي ملأت أيامه بالقلق..
كل ما يبقى هو سؤال واحد:
هل كنت صادقاً مع نفسي؟
رأيت وجوهاً كثيرة في لحظات الوداع..بعضها كان هادئاً بشكل يثير الدهشة، كأن صاحبها وجد أخيراً ما كان يبحث عنه..وبعضها كان متوتراً كأن صاحبه يحاول أن يمسك بالحياة بأطراف أصابعه..وبعضها كان شارداً كأنه يرى شيئاً بعيداً لا يمكن لنا أن نراه..لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو ذلك الصفاء الغريب الذي يسبق الرحيل، صفاء يشبه لحظة اعتراف داخلي، أو لحظة تصالح مع كل ما حدث.
الإنسان يقضي عمره وهو يهرب من نفسه..يلهيه العمل، وتسرقه التفاصيل، ويغرق في العلاقات، ويضيع في الأحلام المؤجلة..لكنه حين يقترب من النهاية، يلتفت فجأة إلى الداخل، إلى تلك المساحة التي لم يمنحها وقتاً كافياً..يبدأ في مراجعة حياته كما لو أنه يقرأ كتاباً كتبه دون أن ينتبه..يتذكر الأشياء الصغيرة التي ظن أنها بلا قيمة، ويتجاهل الأشياء الكبيرة التي كانت تشغله..وكأن الحقيقة لاتظهر إلا حين يصبح الوقت ضيقاً جداً.
هناك من يطلب رؤية شخص يحبه، وهناك من يطلب كوب ماء، وهناك من يطلب الصمت..وهناك من يطلب شيئاً لا يمكن لأحد أن يمنحه فرصة أخرى..فرصة ليعتذر، أو ليحب كما يجب، أو ليعيش بطريقة مختلفة..لكن الموت لا يعطي فرصاً إضافية، إنه فقط يضع النقطة الأخيرة في السطر، مهما كان السطر ناقصاً أو طويلاً أو مرتبكاً.
أحياناً أفكر أن الموت ليس النهاية بقدر ماهو مرآة..مرآة تعكس ما كنا عليه بلا تزيين، بلا أعذار..مرآة لا يمكن للإنسان أن يشيح بوجهه عنها..وربما لهذا تبدو كلمات المحتضرين صادقة إلى حدّ يوجع القلب..إنها كلمات لا تُقال إلا مرة واحدة، ولا يمكن أن تُقال إلا حين يعرف الإنسان أنه لن يملك وقتاً ليكذب أو ليخفي شيئاً.
نحن نخاف الموت لأننا نخاف الحقيقة..نخاف أن نرى أنفسنا كما نحن، بلا أقنعة..نخاف أن نكتشف أننا لم نعش كما يجب، أو أننا ضيعنا الكثير من الوقت في ما لا يستحق..لكن الذين مرّوا بتلك اللحظة يقولون إن الخوف يتلاشى في النهاية، ويحل مكانه شيء يشبه الفهم..فهم لا يأتي من الكتب ولا من التجارب، بل من مواجهة صامتة مع الذات.
ربما لا نحتاج أن ننتظر تلك اللحظة كي نفهم..ربما يكفي أن نعيش بوعي أكبر، أن نحب بصدق، أن نتصالح مع أنفسنا قبل أن نُجبر على ذلك..لأن النهاية، مهما بدت بعيدة، أقرب مما نظن..ولأن الحقيقة التي نكتشفها عند الموت، يمكن أن نكتشفها ونحن أحياء إذا امتلكنا الشجاعة.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *