علم الهندسة الوراثية

علم الهندسة الوراثية

أحياناً أجد نفسي أتأمل وجوه الناس في العائلة، ليس بدافع الفضول، بل بدافع تلك الدهشة القديمة التي لا أعرف متى بدأت..أرى ابن أختي الصغير، فألاحظ أن طريقة ضحكه تشبه ضحكة جدي الذي لم يره قط..وأرى في وجه ابن عمي ملامح امرأة رحلت قبل أن يولد بسنوات..شيء ما في هذا كله يجعلني أشعر بأننا نحمل داخلنا تاريخاً لا نعرفه، تاريخاً لا نختاره، لكنه يختار أن يظهر فينا كما يشاء.
كنت دائماً أسمع كلمة (وراثة) وكأنها تفسير كافٍ..كلمة تُقال بسهولة، لكنها لا تشرح شيئاً. كيف يمكن لصفة أن تنتقل عبر الزمن بهذه الدقة؟ كيف يعرف الجسد أن يعيد إنتاج لون عينين لم تُرَ منذ جيلين؟
ولماذا تظهر بعض الصفات فجأة، كأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج؟
هذه الأسئلة كانت ترافقني منذ طفولتي، ولم أجد لها جواباً مقنعاً إلا حين بدأت أقرأ عن علم الوراثة والهندسة الوراثية،
لامن باب الدراسة، بل من باب الفضول الإنساني.
ما أثار دهشتي حقاً هو أن داخل كل خلية في أجسادنا شريطاً طويلاً من التعليمات، شريطاً
لانراه، لكنه يعمل بلا توقف..شيء يشبه دفتراً قديماً، مكتوباً بلغة لا نفهمها، لكنه يعرف تماماً
مايجب أن يفعله..هذا الدفتر هو الذي يقرر شكلنا، لوننا، وحتى بعض طباعنا..فكرة أن كل هذا مخزن في مكان لا نراه كانت بالنسبة لي أشبه بمعجزة صامتة.
ثم جاء علم الهندسة الوراثية، ذلك العلم الذي لم يكتفِ بالنظر إلى هذا الدفتر، بل حاول أن يفهمه، بل ويعيد ترتيب بعض صفحاته..ما زلت أتذكر أول مرة قرأت فيها عن إمكانية تعديل الجينات.. شعرت بشيء يشبه الخوف والفضول في الوقت نفسه..فكرة أن الإنسان يستطيع أن يغيّر ما كان يُعتقد أنه ثابت كانت بالنسبة لي صادمة..كيف يمكن أن نلمس شيئاً بهذه الحساسية؟
وكيف نضمن ألا نخطئ؟
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا العلم فتح أبواباً لم يكن أحد يتخيلها..تخيّل أن يولد طفل كان من المفترض أن يعاني من مرض وراثي خطير، ثم ينجو بفضل تعديل بسيط في جين واحد!!
تخيّل أن تُعالج أمراض كانت تُعدّ حكماً نهائياً على حياة الإنسان!!
هذه ليست أحلاماً بل واقع بدأ يتحقق بالفعل.
لكن في المقابل، هناك جانب آخر لايمكن تجاهله..الإنسان بطبيعته يميل إلى التجربة، وأحياناً إلى التجرؤ..حين يصبح بإمكاننا تغيير صفات البشر، فمن يضمن ألا نستخدم هذه القدرة بطريقة غير مسؤولة؟
من يضمن ألا يتحول الأمر إلى محاولة لصنع (نسخة مثالية) من الإنسان؟
فكرة أن يصبح الطفل مشروعاً قابلاً للتعديل تثير في داخلي قلقاً لا أعرف كيف أصفه..ليس لأن العلم خطير، بل لأن الإنسان نفسه غير قابل للتوقع.
أتذكر مرة أنني رأيت صورة قديمة لجدتي -رحمها الله- كانت تضحك بطريقة أعرفها جيداً لأن أختي تضحك بالطريقة نفسها..شعرت حينها بأن الوراثة ليست مجرد علم، بل علاقة خفية بين الأجيال..شيء يشبه الخيط الذي يربط الماضي بالحاضر..وربما لهذا السبب أشعر بأن العبث بهذا الخيط يجب أن يكون بحذر شديد، لأننا لا نعرف ما الذي قد ينقطع إذا شددناه أكثر من اللازم.
الهندسة الوراثية ليست شراً ولا خيراً.. هي أداة مثل النار حين اكتشفها الإنسان..يمكن أن تطهو بها خبزاً ويمكن أن تحرق بها غابة..الفرق الوحيد هو النية، والوعي، والحدود التي نضعها لأنفسنا..وربما هذا هو التحدي الحقيقي أن نعرف متى نتقدم، ومتى نتوقف، ومتى نترك بعض الأسرار كما هي لأنها ليست بحاجة إلى تعديل.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *