سقراط..رجل لم يساوم نفسه
سقراط..رجل لم يساوم نفسه
حين أستعيد صورة (سقراط) في ذهني، لا أراه كما تصفه الكتب أو كما يظهر في التماثيل..أراه أقرب إلى رجل تعرفه من بعيد، رجل يمرّ في السوق ببطء، كأنه يبحث عن شيء لايعرف اسمه..لم يكن يملك تلك الهيبة التي تجعل الناس يلتفتون، لكنه كان يملك شيئاً آخر، شيئاً يجعل من يجلس معه يشعر بأن الكلام معه ليس مجرد حديث عابر..ربما لأنه لم يكن يتحدث ليُعجب أحداً، بل لأنه كان يريد أن يفهم، أو يريد للآخر أن يفهم نفسه.
كان يقف أحياناً أمام شاب يبدو واثقاً من نفسه، يسأله سؤالاً بسيطاً، سؤالاً من النوع الذي لا تفكر فيه عادة.
ما الشجاعة؟
ما العدل؟
لماذا تفعل ما تفعل؟
أسئلة تبدو عادية، لكنها حين تُطرح في لحظة غير متوقعة، تتركك في حالة ارتباك غريب. بعض الشباب كانوا يضحكون في البداية، ثم يصمتون، ثم يبدأون في التفكير بطريقة لم يعتادوا عليها..وهذا تحديداً ما كان يزعج البعض أن رجلاً بلا سلطة يستطيع أن يفتح في عقول الناس نافذة لم يطلب أحد فتحها.
ومع الوقت، صار وجوده ثقيلاً على الذين يفضّلون أن تبقى الأمور كما هي..فالمدينة التي اعتادت أن تسير وفق ما ورثته لم تكن مستعدة لرجل يسأل (لماذا؟) في كل شيء..وهكذا بدأت الاتهامات تظهر.
قالوا إنه يفسد الشباب، وإنه يشككهم في معتقداتهم..ربما كان بعضهم يصدق ذلك فعلاً وربما كان البعض الآخر يبحث فقط عن طريقة لإسكاته.
حين وقف أمام المحكمة، لم يكن المشهد كما تتخيله الروايات..لم يكن بطلاً تراجيدياً، ولا خطيباً يرفع صوته..كان رجلاً يحاول أن يشرح ما فعله، لا ليبرر نفسه، بل لأنه لم يفهم تماماً كيف تحوّلت الأسئلة إلى جريمة..تحدث ببساطة، كأنه يشرح أمراً عادياً..قال إنه لم يفسد أحداً، وإنه فقط حاول أن يجعل الناس يفكرون..لكن القضاة لم يكونوا في مزاج يسمح بالتفكير..كانوا يريدون نهاية واضحة.
صدر الحكم بالإعدام..لم يكن الأمر عادلاً لكن العدالة لم تكن حاضرة في ذلك اليوم..انتشر الخبر في أثينا، وكل شخص تلقّاه بطريقته..بعضهم شعر بالارتباك، وبعضهم شعر بالارتياح، وكثيرون لم يعرفوا ماذا يقولون.
أما (سقراط) فاستقبل الحكم كما يستقبل المرء خبراً كان يتوقعه لكنه كان يأمل ألا يأتي..أصدقاؤه لم يقبلوا بالأمر..جاءوه ليلاً، وهم يحملون خطة للهروب..لم يكونوا يتحدثون كفلاسفة، بل كأصدقاء خائفين..قالوا له إن الطريق مفتوح، وإن الحراس لن يمنعوه، وإنه يستطيع أن يعيش في أي مدينة أخرى..كانوا يريدون إنقاذه، وهذا مفهوم..لكن (سقراط) لم يكن ينظر للأمر بالطريقة نفسها.
استمع إليهم، ثم قال شيئاً جعلهم يصمتون..قال إن الهروب ليس مجرد نجاة، بل هو اعتراف بأن كل ما قاله طوال حياته لم يكن صادقاً..كيف يمكن لرجل قضى عمره يدعو لاحترام القانون أن يكون أول من يهرب منه؟
لم يقلها بنبرة عظيمة، بل بنبرة شخص يعرف أن هناك ثمناً لا يمكن تجنبه.
وفي الصباح، حين جاءه الحارس بكأس السم، لم يكن المشهد مسرحياً..كان بسيطاً، وربما لهذا السبب بقي في ذاكرة الناس..أخذ الكأس وشربه وانتهى الأمر كما تنتهي الأشياء التي لا تجد طريقة أخرى لتنتهي بها.
ما بقي من (سقراط) ليس موته بل ذلك الإصرار الغريب على أن يعيش الإنسان وفق ما يؤمن به، حتى لو كان الثمن حياته.
بقيت الأسئلة التي طرحها، وبقي ذلك الإحساس بأن التفكير ليس خطراً بل ضرورة حتى لو أزعج البعض.