نيتشه بين الحب والمرض والفلسفة

نيتشه بين الحب والمرض والفلسفة

من الصعب الحديث عن (فريدريك نيتشه) دون أن يشعر المرء بأنه يتعامل مع شخصية لم تستقر يوماً على حال..ليس لأنه كان يحب التناقض، بل لأنه كان يعيش في مساحة ضيقة بين ما يريده وما يستطيع تحمله.
كثيرون يقرأونه اليوم كفيلسوف القوة، لكن حين تقترب من حياته، تجد أن القوة عنده لم تكن صفة يمتلكها، بل فكرة يطاردها وربما كان هذا هو السبب في أن كتاباته تبدو أحياناً كأنها محاولة لإنقاذ نفسه أكثر من كونها محاولة لتغيير العالم.
ولد (نيتشه) في بيت محافظ، وفقد والده مبكراً وهذا الحدث لم يترك أثراً مباشراً في كتاباته، لكنه ترك أثراً واضحاً في شخصيته..كان يميل إلى الانعزال، ليس بدافع الكراهية، بل لأنه لم يجد مكاناً يشعر فيه بالراحة..حتى في شبابه، حين كان أستاذاً جامعياً لم يستطع أن يتأقلم مع الحياة الأكاديمية كان يشعر بأن الجامعة مكان ضيق، وأن الأفكار التي يريد قولها لا تناسب القاعات الرسمية..ترك منصبه مبكراً وهذا القرار كان بداية سلسلة من الانقطاعات.. انقطاع عن العمل، عن الاستقرار، عن العلاقات الطويلة.
حين تقرأ رسائله، وليس كتبه، تكتشف شخصاً يتعب بسرعة، ويقلق من أشياء صغيرة، ويشعر بأن جسده يخذله..هذا الجانب الإنساني لا يظهر كثيراً في صورته العامة، لكنه موجود بوضوح في حياته اليومية وربما لهذا السبب كان يكتب عن (تجاوز الذات) وكأنه يتحدث عن شيء يحتاجه هو قبل غيره.
لم يكن يتحدث عن الإنسان القوي الذي لا يتأثر، بل عن الإنسان الذي يحاول أن يقف رغم أنه يتأثر كثيراً.
ثم جاءت (لو سالومي) علاقتها به ليست مجرد قصة حب فاشلة كما تُروى عادة..كانت علاقة كشفت له حدود نفسه..أحبها لكنه لم يعرف كيف يتعامل مع امرأة لا ترى العالم بالطريقة التي يراها..كانت أكثر واقعية منه، وأكثر قدرة على وضع حدود واضحة..هو كان يريد علاقة فكرية وروحية، وهي كانت تريد علاقة لا تبتلع حياتها. رفضت الزواج منه، وهذا الرفض لم يجرحه فقط، بل جعله يعيد النظر في أفكاره عن الإنسان. أدرك، ربما للمرة الأولى، أن القوة التي يتحدث عنها لاتمنع الألم، وأن الفلسفة لاتحمي القلب.
علاقته ب(فاغنر) كانت مختلفة، لكنها تحمل المعنى نفسه خيبة من شخص كان يظنه قريباً منه..أحب موسيقى فاغنر، ورأى فيه عبقرية، لكنه اكتشف لاحقاً أن (فاغنر) يسير في اتجاه
لايشبهه..الانفصال عنه لم يكن مجرد خلاف فكري، بل كان فقداناً لصداقة كان يحتاجها.
(نيتشه) لم يكن محاطاً بالأصدقاء، ولم يكن يعرف كيف يحافظ على العلاقات..كان يقترب بسرعة، ويبتعد بسرعة، وكأنه يخاف من أن يراه الآخرون كما هو.
في سنواته الأخيرة، تدهورت صحته العقلية والجسدية..عاش في عزلة شبه كاملة، وهذا ليس غريباً على شخص قضى حياته يحاول أن يجد مكاناً يناسبه ولم يجده ومع ذلك، بقيت أفكاره حية، ليس لأنها مثالية أو مكتملة، بل لأنها صادقة في بحثها.
(نيتشه) لم يقدم حلولاً جاهزة، ولم يدّع أنه يعرف الطريق الصحيح..كان يكتب لأنه لا يعرف، ولأن الكتابة كانت طريقته الوحيدة لفهم نفسه.
ربما هذا هو ما يجعل (نيتشه) شخصية إنسانية قبل أن يكون فيلسوفاً..رجل يحاول أن يفهم الحياة، لكنه لا يصل إلى إجابة نهائية..رجل يكتب عن القوة، لكنه يعيش الضعف..رجل يرفض الأخلاق التقليدية، لكنه يبحث عن معنى يشبه الأخلاق بطريقة ما..رجل يهرب من الناس، لكنه يحتاجهم..هذا التناقض ليس نقصاً بل هو مايجعل كتاباته قريبة من القارئ، لأنها تشبه مايعيشه كل إنسان حين يحاول أن يكون صادقاً مع نفسه.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *