هوجو بين النساء والكتابة والمنفى
هوجو بين النساء والكتابة والمنفى
من الصعب الحديث عن (فيكتور هوجو) دون أن تشعر بأنك تتعامل مع رجل عاش أكثر مما ينبغي، وكتب أكثر مما يستطيع أي إنسان أن يكتب، وأحب بطريقة لا تشبه الطرق المعتادة.
هناك كتّاب يتركون أثراً بأعمالهم فقط، لكن (هوجو) ترك أثراً بحياته نفسها، كأن حياته كانت رواية طويلة لم يتوقف عن تعديلها.
ولد في بيت لا يشبه البيوت الهادئة التي تخلق طفلاً مستقراً..أم ملكية النزعة، وأب ضابط في جيش نابليون، وبينهما طفل يحاول أن يفهم أي طريق ينتمي إليه..ربما لهذا السبب كان يميل إلى الورق منذ صغره؛ الورق لا يطلب منه أن يختار، ولا يفرض عليه رأياً..كتب مسرحية وهو في العاشرة، وهذا ليس إنجازاً بقدر ما هو علامة على طفل يحاول أن يهرب من ضجيج الكبار إلى عالم يصنعه بنفسه.
علاقته ب(أديل فوشيه) كانت بداية كل شيء..لم تكن قصة حب مثالية، لكنها كانت حقيقية..أحبها وهو شاب، وانتظر طويلاً حتى تزوجها، ثم عاش معها حياة فيها دفء وفيها تعب..(أديل) لم تكن امرأة تلهمه بالمعنى الرومانسي، لكنها كانت جزءاً من جذوره، من تلك المرحلة التي كان فيها يبحث عن مكانه في الأدب وفي الحياة..ومع مرور الوقت، بدأت العلاقة تتآكل بصمت، كما يحدث في كثير من الزيجات، لكن وجودها ظل ثابتاً في حياته، حتى حين لم يعد قلبه ثابتاً معها.
ثم ظهرت (جوليت درويه) وهنا تغيّر كل شيء لم تكن مجرد امرأة جميلة، بل كانت حضوراً مختلفاً.. كانت ممثلة نعم لكنها كانت أيضاً امرأة تعرف كيف تنظر إلى رجل مثل (هوجو) دون أن تخاف من حجمه الأدبي..علاقتها به لم تكن علاقة عابرة، بل امتدت لعقود، ورافقت المنفى، وشاركت وحدته، وكتبت له رسائل تكشف عن علاقة فيها حب وفيها ضعف وفيها اعتماد متبادل..(جوليت) كانت أقرب إلى (شريك حياة) غير معلن شخص يملأ الفراغات التي لم تستطع (أديل) أن تملأها.
أما (ليوني بيار) فكانت علاقة من نوع آخر.. علاقة رجل ناضج ما زال قلبه قادراً على الاضطراب..لم تكن علاقة طويلة، لكنها كانت كافية لتكشف أن (هوجو) لم يكن يبحث عن امرأة واحدة تكفيه، بل كان يبحث عن ذلك الشعور الذي يعيد إليه إحساسه بأنه حي..البعض يراه ضعفاً.. والبعض يراه جزءاً من طبيعته..وأنا أميل إلى الرأي الثاني..الرجل الذي يكتب (البؤساء) لايمكن أن يكون قلبه ساكناً.
المنفى كان نقطة التحول الكبرى..بعد انقلاب (لويس نابليون) وجد نفسه خارج فرنسا في جيرسي ثم غيرنزي هناك بعيداً عن باريس، كتب (البؤساء) العمل الذي يشبه مرآة ضخمة يرى فيها الإنسان نفسه بكل تناقضاته..المنفى لم يكن عقاباً له، بل كان مساحة واسعة جعلته يكتب بعمق لم يصل إليه من قبل..أما (أحدب نوتردام) فقد كتبها قبل ذلك بسنوات طويلة، حين كان لايزال يعيش في قلب باريس، وهذا وحده يكشف أن إبداعه لم يكن مرتبطاً بظرف واحد.
حين تنظر إلى حياة (فيكتور هوجو) لا تراها حياة عبقري يعيش فوق البشر بل حياة رجل يتخبط، يحب، يخطئ، ينهض، ويكتب لأنه لا يعرف كيف يتوقف..وهذا في رأيي ما جعله (فيكتور هوجو) الحقيقي.