لماذا تكثر المشاعر العدائية بعد طلاق الزوجين

لماذا تكثر المشاعر العدائية بعد طلاق الزوجين

من أغرب ما يمكن أن يمرّ به الإنسان أن يتحول الشخص الذي كان يوماً أقرب الناس إليه إلى غريب بل إلى خصم أحياناً.
الطلاق بحد ذاته ليس هو المشكلة، فالناس قد يختلفون، وقد يصلون إلى طريق مسدود، وقد يختار كل طرف أن يكمل حياته بعيداً عن الآخر. لكن ما يثير الدهشة هو تلك المشاعر الحادة التي تنفجر بعد الطلاق، وكأن الانفصال لم يكن نهاية علاقة بل بداية معركة..كثيراً ما فكرت في هذا الأمر..
لماذا يصبح الطرفان أكثر عداءً بعد أن يفترقا؟ لماذا لا يكتفي كل منهما بأن يطوي الصفحة ويمضي؟
لماذا يتحول الماضي إلى سلاح والذكريات إلى حجارة تُرمى بها القلوب؟
ربما لأن الطلاق يهزّ الإنسان من الداخل..ليس سهلاً أن يعترف المرء بأن علاقة اختارها بقلبه وعقله انتهت..ليس سهلاً أن يرى نفسه خارج إطار كان يظنه ثابتاً..هناك شيء يشبه الانكسار يحدث، حتى لو لم يعترف به أحد..الرجل يشعر أنه فقد مكانته، والمرأة تشعر أنها فقدت أمانها، وكل طرف يحاول أن يثبت لنفسه قبل الآخرين أنه لم يخسر، وأنه لم يكن الطرف الأضعف.
ولأن المجتمع لا يرحم، يبدأ كل طرف في الدفاع عن نفسه، وأحياناً يبالغ في الدفاع حتى يتحول إلى هجوم..كلمة هنا..تعليق هناك..اتهام صغير يكبر، ثم يصبح الأمر سلسلة من ردود الفعل التي لا تنتهي..وفي وسط كل هذا يضيع العقل وتضيع الحكمة ويصبح الهدف الوحيد هو أن لا يظهر أحدهما بمظهر الخاسر.
أحياناً يكون السبب أبسط من كل هذا..مجرد جرح لم يلتئم..مجرد شعور بأن الآخر لم يقدّر، أو لم يفهم، أو لم يحاول..وهذه المشاعر حين لا تجد طريقاً للخروج بشكل صحي تتحول إلى غضب، والغضب يتحول إلى عداء، والعداء يصبح عادة.
قبل فترة ليست طويلة وجدت نفسي في موقف جعلني أفهم هذه الفكرة أكثر..طُلب مني أن أتدخل بين زوجين مطلقين على أمل أن أساعدهما في تهدئة الأمور خصوصاً أن بينهما أطفالاً..لم أكن أعرفهما معرفة شخصية، لكنني قبلت بدافع إنساني..دخلت المكان وأنا أحمل نية طيبة، لكنني شعرت منذ اللحظة الأولى أن الجو مشحون بطريقة يصعب وصفها..كانت الزوجة تجلس في زاوية الغرفة، تنظر إلى الأرض وكأنها تخشى أن تلتقي عيناها بعينيه..أما هو(أي الزوج) فكان يجلس في الجهة المقابلة متوتراً يضغط على يديه وكأنه يحاول أن يمنع نفسه من الانفجار..حاولت أن أبدأ الحديث بهدوء سألت عن إمكانية التفاهم عن الأبناء..عن أي نقطة يمكن أن تكون مدخلاً للصلح..لكن كل كلمة كانت تُقابل برد فعل حاد.. قالت الزوجة بصوت مخنوق:
(هو لا يريد أن يتركني أعيش حتى بعد الطلاق)
فرد الزوج بسرعة:
(ومن الذي دمّر حياتي؟)
لم يكن أحدهما مستعداً لسماع الآخر..كل طرف كان يحمل جرحاً مفتوحاً وكل جرح كان يصرخ بدلاً عنهما..خرجت من ذلك اللقاء وأنا أدرك أن المشكلة ليست في الطلاق نفسه بل في كل ما لم يُقل وكل ما لم يُفهم وكل ما لم يُسامح.
العدائية بعد الطلاق ليست دائماً رغبة في الانتقام كما يظن البعض..أحياناً هي محاولة يائسة لحماية النفس..أحياناً هي صرخة غير مسموعة..أحياناً هي خوف من المستقبل، أو من الوحدة، أو من نظرة الناس..وأحياناً هي مجرد طريقة خاطئة للتعامل مع الألم.
لكن مهما كانت الأسباب يبقى السؤال:
هل يمكن تجاوز هذه العدائية؟
أعتقد أن الأمر ممكن لكنه يحتاج إلى شجاعة من نوع مختلف..شجاعة الاعتراف بأن العلاقة انتهت وأن التمسك بالغضب لن يعيد شيئاً..شجاعة أن يرى كل طرف الآخر كإنسان لا كخصم..شجاعة أن يتذكر الطرفان أن بينهما أياماً جميلة حتى لو انتهت..وأن هناك أبناء وأن هؤلاء الأبناء يستحقون أن يعيشوا دون أن يتحولوا إلى رسائل متبادلة بين والدين غاضبين.
الطلاق ليس نهاية العالم..لكنه قد يصبح كذلك إذا تحولت المشاعر إلى حرب..والإنسان مهما كان جرحه يستطيع أن يختار..يستطيع أن يختار أن يترك الماضي في مكانه، وأن يمضي بسلام، وأن يمنح نفسه فرصة جديدة دون أن يحمل معه كل هذا الثقل.
ربما لا نستطيع أن نمنع الألم لكننا نستطيع أن نمنع أن يتحول الألم إلى عداء..وهذا وحده يكفي ليجعل الطريق أقل قسوة.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *