لاتخجل من دموعك

لاتخجل من دموعك

هناك لحظات في حياة الإنسان لا يستطيع فيها أن يشرح ما يحدث داخله، مهما حاول أن يختار الكلمات بعناية، أو أن يجمّل صوته، أو أن يرفع رأسه كي يبدو ثابتاً أمام الآخرين..لحظات يتراجع فيها العقل إلى الخلف، ويتقدم القلب بخطوات مرتبكة ثم يحدث شيء لا يمكن مقاومته..تلمع العين. تلك اللمعة الصغيرة التي تسبق الدموع، وتفضح ما حاول الإنسان إخفاءه طويلًا.
لا أحد يعلّمنا كيف نبكي، ومع ذلك نبكي منذ اللحظة الأولى التي نخرج فيها إلى الدنيا، كأن البكاء هو اللغة الأولى التي نتقنها دون تدريب..
الدموع ليست فعلاً بسيطاً كما يظن البعض..ليست ماءً ينساب من العين وينتهي الأمر..هي أثر وندبة، وصوت داخلي لا يسمعه أحد..هي طريقة الجسد في أن يقول ما لا يستطيع اللسان قوله.. وربما لهذا السبب تحديداً يخاف الناس من دموعهم..يخافون أن تُرى..أن تُفهم..أن تُفسَّر بطريقة لا يريدونها..يخافون أن تبدو الدموع اعترافاً بالهشاشة، أو علامة على ضعفٍ لا يليق بصورة الإنسان القوي التي يحاول كل واحد منا أن يحافظ عليها أمام العالم.
لكن الحقيقة أن الدموع ليست ضعفاً..الضعف الحقيقي هو أن يحمل الإنسان كل شيء في داخله، ولا يسمح لشيء بالخروج..أن يختنق بصمته، ويبتلع حزنه، ويخفي خوفه، حتى يصبح قلبه مثل غرفة مغلقة لا يدخلها الهواء.
الدموع على عكس ما يظنه البعض، هي الهواء الذي يدخل تلك الغرفة..هي الفتحة الصغيرة التي تسمح للنور بالدخول.
العلماء حاولوا أن يفهموا الدموع بطريقتهم الخاصة (فرويد) مثلاً كان يرى أن البكاء نوع من التفريغ النفسي، وأن الإنسان حين يبكي، فهو يحرر نفسه من ضغط لا يستطيع تحمله.
(داروين) من جهته حاول أن يفهم لماذا يبكي الإنسان دون غيره من الكائنات، وكتب أن الدموع ليست مجرد إفراز غدي، بل وسيلة للتعبير عن الألم العاطفي، وأن الإنسان وحده يمتلك هذه القدرة.
أما (وليم فراي) فقد ذهب أبعد من ذلك ودرس مكونات الدموع نفسها، ووجد أن دموع الحزن تحتوي على نسب أعلى من البروتينات والهرمونات المرتبطة بالتوتر، وأن خروجها يساعد على تهدئة الجهاز العصبي..كأن العين نافذة صغيرة يتسرب منها ما لا يستطيع القلب احتماله.
لكن مهما قال العلماء، تبقى الدموع تجربة شخصية جداً.. كل إنسان يعرف طعم دموعه يعرف حرارتها، يعرف اللحظة التي تسبق انهمارها، تلك اللحظة التي يرتجف فيها الصوت، أو ترتفع فيها الأنفاس، أو يشعر فيها المرء بأن شيئًا ما في داخله بدأ يلين..هناك دموع تأتي فجأة، دون مقدمات، كأنها كانت تنتظر إشارة صغيرة..ودموع أخرى تتراكم ببطء، مثل غيمة ثقيلة لا تمطر إلا حين يختلي الإنسان بنفسه.
المرأة تحديداً لها علاقة خاصة بالدموع..ليست علاقة ضعف كما يظن البعض، بل علاقة صدق.. المرأة لا تخجل من أن تقول إنها تألمت أو اشتاقت أو خافت..دموعها ليست إعلاناً عن هزيمة، بل إعلاناً عن حياة.
الدراسات تقول إن المرأة تبكي أكثر من الرجل بخمس مرات تقريباً لكن هذا لا يعني أنها أضعف، بل أنها أكثر قدرة على مواجهة مشاعرها.
الرجل في المقابل، يتعلم منذ طفولته أن يخفي دموعه، أن يبتلعها، أن يضعها في مكان لا يراه أحد..وهذا ما يجعل بكاء الرجل حين يحدث بكاءً مختلفاً..أثقل، أعمق، كأنه يفتح باباً ظلّ مغلقاً سنوات طويلة.
يقول الكاتب والمدون (فهد الحربي) عن الدموع كلاماً يشبه اعترافاً هادئًا أكثر منه رأياً فيكتب:
(الدموع ليست ماءً يخرج من العين بل أثر يخرج من القلب..نحن لا نبكي لأننا ضعفاء، بل لأننا نحاول أن نكون أقوى مما يسمح به الواقع.. الدموع تعيد ترتيب الداخل، تلمّ شتات الروح وتمنحنا فرصة لنرى الأشياء كما هي بلا ضجيج.. كم من مرة بكينا فشعرنا بأن الهواء صار أخف، وأن الطريق صار أقل ازدحاماً وأن ما كان يثقل صدورنا بدأ يتلاشى..البكاء ليس استسلاماً بل مصالحة مع الذات واعتراف بأننا بشر وأننا
لانحتاج إلى التظاهر بالصلابة طوال الوقت..إنني أؤمن أن الإنسان الذي يسمح لدموعه أن تنزل هو إنسان ما زال قادراً على الشعور وما زال قلبه حياً)
هذه الكلمات ليست مجرد رأي، بل تلخيص لتجربة يعيشها كل إنسان بطريقته..فالبكاء ليس فعلًا واحداً بل عوالم متعددة..هناك بكاء يأتي من الفقد، وبكاء يأتي من الخوف، وبكاء يأتي من الوحدة، وبكاء يأتي من لحظة فرح لا يستطيع القلب احتواءها..وهناك بكاء لا نعرف سببه لكنه يخفف عنا بطريقة لا نفهمها..وهذا النوع تحديداً هو الأكثر صدقاً لأنه يأتي من مكان لايصل إليه العقل.
العلماء لاحظوا أيضاً أن الدموع ترتبط بالذاكرة.. رائحة معينة، أغنية قديمة، مكان مررنا به ذات يوم، كلها قد تفتح باباً مغلقاً في الذاكرة، فتخرج الدموع كأنها تعيد ترتيب الماضي..وهذا النوع من البكاء يساعد الدماغ على معالجة التجارب القديمة التي لم تُفهم في وقتها ولذلك فإن الدموع ليست دائماً رد فعل على حدث حاضر بل قد تكون استجابة لشيء حدث قبل سنوات طويلة.
أما محاولة كبت الدموع فهي معركة خاسرة..الإنسان الذي يمنع نفسه من البكاء لايصبح أقوى، بل يحمّل جسده عبئاً إضافياً وقد أثبتت الدراسات أن كبت الدموع يؤدي إلى ارتفاع التوتر واضطرابات النوم والصداع ومشاكل في الجهاز الهضمي.
فالبكاء ليس رفاهية، بل حاجة نفسية، مثل النوم تماماً.. حين تمنع نفسك من البكاء فأنت تمنع جسدك من التخلص من السموم العاطفية التي تتراكم داخلك.
ومن منظور اجتماعي فإن المجتمعات التي تسمح لأفرادها بالتعبير عن مشاعرهم تتمتع بصحة نفسية أفضل..أما المجتمعات التي تفرض على الناس الصمت والصلابة، فإنها تخلق أفراداً يعانون في الخفاء..البكاء ليس فعلاً فردياً فقط بل هو أيضاً انعكاس لثقافة المجتمع..وكلما كان المجتمع أكثر تفهماً للدموع كان أفراده أكثر قدرة على التعامل مع الحياة.
الدموع تجعلنا متشابهين رغم اختلافاتنا..الغني يبكي، والفقير يبكي، القوي يبكي، والضعيف يبكي، الطفل يبكي، والشيخ يبكي..الدموع
لاتعرف طبقات ولا ألقاباً..إنها تعيد الإنسان إلى جوهره الأول..إلى تلك اللحظة التي خرج فيها إلى الدنيا باكياً معلناً أنه حيّ.
لا تخجل من دموعك..لا تخف أن يراك أحد وأنت تبكي..البكاء ليس فضيحة ولا علامة على أنك فقدت السيطرة..إنه دليل على أنك ما زلت تشعر وما زلت قادراً على مواجهة نفسك.
الدموع لا تُنقص من قيمة الإنسان بل تزيده صدقاً..وكل دمعة تنزل تحمل معها شيئاً من الألم وشيئاً من الشفاء، وشيئاً من الحقيقة.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *