كيف تتغلب على المواقف المحرجة ؟

كيف تتغلب على المواقف المحرجة ؟

من أغرب الأشياء في حياتنا أن الموقف المحرج، مهما كان صغيراً يلتصق بنا كأنه بقعة لا تريد أن تزول.
قد تكون كلمة خرجت منك قبل أن تفكر، أو حركة غير محسوبة، أو نظرة لم تفهمها، ومع ذلك تبقى تدور في رأسك كأنها حدث كبير..بينما الحقيقة أن الناس من حولك غالباً لم ينتبهوا، أو انتبهوا لثانية ثم عاد كل واحد منهم إلى حياته.
أحياناً أشعر أن الحرج ليس في الموقف نفسه، بل في الطريقة التي نرى بها أنفسنا..نحن نحب أن نبدو متماسكين، نعرف ماذا نقول، نعرف كيف نتصرف، نحب أن نبدو (جاهزين) والموقف المحرج يأتي ليذكّرنا بأننا لسنا جاهزين دائماً وأننا لسنا نسخة مصقولة من أنفسنا..نحن بشر، والبشر ينسون، ويتلعثمون، ويترددون، ويخطئون.
هناك لحظات محرجة لا تُنسى، ليس لأنها كبيرة، بل لأنها لامست شيئاً قديماً في داخلنا..ربما كلمة سمعناها في طفولتنا، أو ضحكة كانت موجّهة لنا في المدرسة، أو تعليق عابر جعلنا نشعر بأننا أقل مما يجب لذلك، حين يحدث موقف محرج اليوم، لا يكون تأثيره من اللحظة نفسها، بل من شيء أعمق بكثير.
قبل فترة، كنت أتحدث مع مجموعة صغيرة من الناس..كنت أعرف الموضوع جيداً وكنت مرتاحاً لكن فجأة شعرت أن صوتي يخرج بطريقة غريبة. لم يكن هناك سبب واضح مجرد لحظة ارتباك..لم يضحك أحد، ولم يعلّق أحد، لكنني أنا من حملت الموقف معي لساعات..كنت أقول لنفسي:
لماذا حدث هذا؟
لماذا شعرت بهذا الشكل؟
وكأنني كنت ألوم نفسي على شيء لايستحق اللوم.
بعد وقت أدركت أن المشكلة لم تكن في الموقف بل في الصورة التي أحاول أن أحافظ عليها..صورة الشخص الذي لايتردد، الذي لايخطئ..الذي يعرف دائماً ماذا يقول..وهذه الصورة مرهقة..مرهقة جداً لأنها ليست حقيقية.. الإنسان ليس ثابتاً..الإنسان يتغير من يوم لآخر، من ساعة لأخرى..أحياناً تكون حاضراً..وأحياناً تكون مشوشاً..وأحياناً تكون متعباً وهذا طبيعي.
عالم النفس الألماني (فريتز بيرلز) كان يقول إن الإنسان يعاني حين يحاول أن يكون شيئاً غير ماهو عليه..ربما هذا يفسر لماذا تؤلمنا المواقف المحرجة لأنها تكشف ما نحاول إخفاءه..تكشف أننا لسنا مثاليين، وأننا لسنا كما نتمنى أن نبدو..
لكن لو فكرت قليلاً ستجد أن الموقف المحرج ليس عدواً..هو مجرد لحظة..لحظة تقول لك إنك تهتم..تهتم بالصورة، تهتم بالانطباع، تهتم بأن تكون مقبولًا..وهذا ليس شيئاً سيئاً لكنه يصبح عبئاً حين يتحول إلى خوف دائم.
أحيانًا الطريقة الوحيدة للتعامل مع الموقف المحرج هي أن تتركه يمرّ..لا تحاول أن تمحوه، ولا تحاول أن تبرره فقط اتركه..كأنك تترك موجة صغيرة تمرّ على سطح الماء..إذا حاولت أن توقفها، ستكبر وإذا تركتها ستختفي وحدها.
وأحياناً تحتاج أن تضحك.. ضحكة صغيرة تلك التي تأتي حين تدرك أن ما حدث لا يستحق كل هذا..ضحكة تقول: (حسناً حدث ما حدث) هذه الضحكة وحدها كافية لتعيدك إلى حجمك الطبيعي.
هناك شيء آخر يساعد أن تتحدث عن الموقف مع شخص تثق به..حين تروي له التفاصيل، يصبح الموقف أخف..لأنك أخرجته من رأسك ووضعته في الهواء..والهواء يخفف الأشياء.
ولو تأملت الناس قليلاً ستجد أن كل واحد منهم يحمل موقفاً محرجاً خاصاً به..ربما أكثر إحراجاً مما تتخيل..لكنهم يعيشون..يكملون يومهم. يضحكون..ينسون..وهذا وحده دليل على أن الحرج ليس نهاية، وليس علامة ضعف، وليس شيئاً يستحق أن نحمله معنا طويلاً.
المواقف المحرجة، مهما بدت مزعجة، تحمل جانباً جميلاً أيضاً..إنها تذكّرنا بأننا بشر..تذكّرنا بأننا لا نحتاج إلى أن نكون مثاليين كي نكون مقبولين..بل على العكس لحظات الضعف هي التي تجعلنا أقرب إلى الآخرين..حين تضحك على نفسك، أو تعترف بأنك ارتبكت، أو تسمح لنفسك بأن تكون غير كامل، فإنك تفتح باباً للتواصل الحقيقي.
وربما لهذا السبب حين تتذكر المواقف المحرجة القديمة بعد سنوات تبتسم..تبتسم لأنك نجوت، ولأنك كبرت، ولأنك أدركت أن ما كان يبدو كبيراً لم يكن يستحق كل ذلك القلق..تبتسم لأنك أصبحت ترى نفسك بوضوح أكبر، وبقلب أكثر رحابة.
الموقف المحرج لا يعرّفك..لايحدد قيمتك..لايقول عنك شيئاً سوى أنك إنسان يحاول ويتعلم ويخطئ ويواصل الطريق.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *