سلام عليك أيها الحب

سلام عليك أيها الحب

كان أخي وصديقي العزيز (أبو مشعل) يحكي لي تلك القصة وكأنه يعيد مشاهدة مشهد عالق في ذاكرته منذ زمن..لم يكن يرويها كحكاية عابرة بل كشيء ترك أثراً داخله، شيء جعله يتوقف قليلاً أمام معنى الحنان حين يأتي من قلب صادق
لاينتظر مقابلاً ولا يبحث عن شكر.
يقول (أبو مشعل) إنه في صباح عادي وبينما كان يخرج من العمارة التي يسكن فيها، لمح امرأة عجوز تجلس على عتبة المدخل..كانت تبدو بسيطة، ملامحها هادئة، ويديها تحملان بعض الطعام..كانت تلتفت بين لحظة وأخرى نحو قط (أملح اللون) قط لا يشبه تلك القطط التي يلتقط الناس صورها، بل واحد من أولئك الذين يعرفون الشوارع أكثر مما يعرفون الدفء، وتفوح منهم رائحة حياة قاسية، حياة بين صناديق القمامة، بين الخوف والجوع.
كانت العجوز تناديه بصوت خافت: (بسبس.. بسبس)
لم يكن في صوتها شيء مصطنع، بل حنان يشبه حنان أم تنادي طفلاً ضائعاً..لكن القط لم يقترب. كان يقف بعيداً، يراقبها بعينين نصف مطفأتين، كأنه لا يصدق أن أحداً قد يناديه دون أن يرفسَه أو يطرده أو يضربه..ربما اعتاد أن يكون النداء مقدمة للأذى لا للطعام.
يقول (أبو مشعل) إنه وقف لحظة يراقب المشهد ثم مضى في طريقه..لم يتوقع أن يرى شيئاً مختلفاً في اليوم التالي، لكنه حين نزل من منزله وجد العجوز في المكان نفسه وبالطريقة نفسها، وبالصوت نفسه..كانت تكرر النداء وكأنها تؤمن أن الصبر وحده قادر على فتح باب الخوف المغلق في قلب ذلك القط.
أما القط فقد بدا مختلفاً قليلاً..كان يلتفت نحوها أكثر من المرة السابقة، وكأنه يحاول أن يفهم: هل هذا النداء موجه له فعلاً؟
هل يمكن أن يكون هناك إنسان لا يريد منه شيئاً سوى أن يأكل؟
كان بين رغبة في الاقتراب وخوف يشده إلى الخلف..ذلك الخوف الذي يتركه الزمن في المخلوقات التي لم تعرف من البشر سوى القسوة.
وفي اليوم الثالث حدث ما لم يكن يتوقعه (أبو مشعل ) رأى القط يقترب ببطء، خطوة ثم خطوة، حتى صار قريباً من يد العجوز..كانت يده ترتجف وهو يمد رأسه نحو الطعام، وكأنه يخشى أن تكون هذه اللحظة فخاً..لكنه حين لمس يدها..حين شعر بملمسها فوق رأسه توقف الزمن للحظة. كان المشهد بسيطاً لكنه يحمل معنى كبيراً..هذا القط، الذي عاش عمره كله مطارداً وجد أخيراً يداً لا تؤذيه.
كانت العجوز تمسح على رأسه بحنان وتربت على ظهره كأنها تقول له: (لا تخف أنت آمن هنا)
وكان القط يأكل ببطء، كأنه يتذوق للمرة الأولى طعم الأمان، لا طعم الطعام فقط.
يقول (أبو مشعل) إنه وقف طويلاً يتأمل المشهد..لم يكن يفهم كيف تتحمل العجوز رائحته، ولا كيف ترضى أن تلمس يدها النظيفة ذلك الشعر المتسخ..لكنه أدرك أن هناك أشياء لا تُقاس بالرائحة ولا بالشكل، بل بما يشعر به القلب حين يرى مخلوقاً ضعيفاً يحتاج إلى لمسة رحمة.
وفي اليوم الرابع رأى ما هو أعجب لم يكن القط وحده..كانت حول العجوز مجموعة من القطط التي تشبهه..قبيحة..خائفة، متسخة..لكنها كانت تقترب منها بثقة غريبة..بعضها يأكل من يدها وبعضها يستسلم للمساج الذي تمنحه..وبعضها يتمرغ عند قدميها كأنه وجد أخيراً مكاناً ينتمي إليه.
وقف (أبو مشعل) مذهولاً..
كيف استطاعت امرأة واحدة أن تكسب ثقة مخلوقات لا تثق بأحد؟
كيف جمعت حولها هذا العدد من القطط التي كانت تهرب من ظلها؟
هل هو صبرها؟
هل هو حنانها؟
أم أن الحب حين يكون صادقاً لا يحتاج إلى لغة كي يُفهم؟
ربما كان كل ذلك..وربما لأن الحب حين يخرج من قلب نقي يصل حتى إلى المخلوقات التي
لاتعرف الكلام.
سلام عليك أيها الحب
سلام عليك حين تجعل من يد عجوز بسيطة ملجأً لمخلوقات خائفة.
سلام عليك حين تذيب الخوف وتعيد للروح شيئاً من دفئها.
سلام عليك..لأنك وحدك القادر على أن تغيّر العالم، حتى لو بدأ التغيير من قط أملح يقف على عتبة باب ويبحث عن أمان لم يعرفه من قبل.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *