الصمت أبلغ كلمة تُقال أمام دموع الجمال
الصمت أبلغ كلمة تُقال أمام دموع الجمال
كان جمالها من ذلك النوع الذي يفرض عليك حضوره دون أن يطلبه..جمال يرفع رأسه بشموخ فتخفض أنت رأسك احتراماً وتلمسه بعينيك كما لو أنك تلامس شيئاً مقدساً..
جمال يهزك دون أن يتحرك..ويجذبك دون أن يقترب..ويدخلك في مداره حتى تجد نفسك تسبح حوله ككوكب صغير يبحث عن ضوءه الوحيد.
كانت تبدو لي كقصيدة برية لم تستطع دواوين الشعر كلها أن تحتويها..قصيدة مكتوبة بالعطر والضوء والموسيقى.
وقد كنت واحداً من أولئك الذين فُتنوا بجمالها..وتفننوا في وصفه..لا رغبة في نيل ودها..بل رغبة في مخاطبة الجمال الذي يمشي في شخصها.
وفي يوم ما..جاءت إليّ والدموع تسبق خطواتها..واللوعة تسكن نظراتها..وبصوت يذيب الصمت قالت:
ما رأيك في؟
فأجبتها بصدق لا يعرف المجاملة:
انظري إلى المرآة فصورتك أقدر مني على وصفك..وأبلغ من كل ما يمكن أن أقوله.
قالت:
تقصد أنني جميلة؟
قلت:
أقصد أنك الجمال نفسه يمشي على قدمين.
فأطرقت قليلاً ثم قالت:
هذا الجمال هو سر تعاستي..هو الضريبة التي أدفعها كل يوم.
عيون الناس تطاردني أينما ذهبت..أشعر أنني سجينة وسط نظرات لا ترحم..لا أستطيع أن أتحرك أو أتنفس..أختنق في سجن لا يفارقني أبداً.
ثم أضافت:
كل رجل قابلته نظر إليّ كزهرة جميلة..يعجب بها..يقترب منها لكنه لا يريد أن يعيش معها.
الرجال لا يتزوجون الزهور..قد يقطفونها..قد يشترون باقة منها..لكنهم لا يبنون معها حياة.
لقد تزوجت أكثر من مرة يافهد وكان الفشل نهاية كل شيء..الغيرة كانت تشوي أعصاب كل رجل ارتبط بي.. ومع كل نظرة يوجهها الآخرون إليّ كنت أشم رائحة احتراقه..وفي النهاية لا يبقى منه إلا ورقة.
ورقة طلاقي.
ثم قالت وهي تجمع دموعها كما لو أنها تجمع لؤلؤاً انفرط فوق خديها:
أنا تعيسة بهذا الجمال الذي تحسدني عليه النساء..تعيسة جداً يا فهد.
وانقطع حديثها فجأة..وهرب لساني من بين شفتي..فلم أجد ما أقوله
حينها فقط أدركت أن الصمت هو أبلغ كلمة تُقال أمام دموع الجمال.