تعلم فن الحذف

تعلم فن الحذف

كثير من الأشياء التي تُتعب الإنسان لا تأتيه من الخارج بقدر مايصنعها هو بنفسه ثم يحملها على كتفيه سنوات طويلة..نُرهق أنفسنا بمحاولة إرضاء الجميع..ونمنح آراء الآخرين مساحة أكبر مما تستحق..ونُبقي أشخاصاً في حياتنا رغم معرفتنا بأن وجودهم لايضيف إليها شيئاً سوى الضيق والتشويش..
ومع مرور الوقت نكتشف أن الحياة لا تطلب منا أن نكسب رضا كل الناس بل أن نعيش بسلام مع أنفسنا وأن نعرف جيداً من يستحق أن يبقى ومن يجب أن يمضي.
في سنوات سابقة كنت أظن أن حسن النية وحده يكفي لصناعة العلاقات المتينة..وأن القرب الطويل من الناس كفيل بكشف معادنهم الحقيقية لكن الأيام أثبتت لي أن المعرفة لا تُقاس بعدد السنوات بل بالمواقف..ولاأقصد بالمواقف هنا تلك الأحداث الكبيرة التي تتصدر المشهد وتلفت الأنظاربل التفاصيل الصغيرة التي تمرعلى كثيرين دون انتباه.
أتذكر موقفاً بسيطاً مع أحد الأشخاص حين كنت أمر بظرف عملي مرهق لم أطلب منه مالاً ولامعروفاً كبيراً بل مجرد كلمة صادقة أو موقفاً يسيراً يخفف شيئاً من الضغط..يومها اكتشفت أنه بارع في الحديث أكثر من الفعل..كان حاضراً عندما تكون الأمور سهلة ومريحة..أما حين احتاج الموقف إلى شيء من الوفاء اختفى بهدوء وكأن الأمر لا يعنيه لم أغضب كثيراً لكنني وضعت اسماً جديداً لتلك العلاقة داخل رأسي.
ومرة أخرى فوجئت بشخص اعتدت الاستماع إلى آرائه حول الناس والحياة..كان يقدم نفسه بوصفه ناصحاً حكيماً ثم رأيته في موقف عابر يتحدث عن أحد أصدقائه بسخرية ما إن غاب عن المجلس..لم تكن حادثة كبيرة لكنها جعلتني أعيد النظر في أشياء كثيرة فمن يخون الغائب بالكلمة قد لايكون أهلاً للثقة حين تحضر أنت أو تغيب.
أما الصدمة التي بقيت عالقة في ذاكرتي فكانت في عام 2020 كنت أعرف شخصاً منذ فترة وكنت أظنه من الرجال الذين يمكن الاتكاء عليهم عند الحاجة لم تكن بيننا خصومة ولا خلاف بل علاقة طبيعية ظننت أنها تحمل قدراً من الصدق..ثم جاء موقف حاسم احتجت فيه إلى وضوح المواقف أكثر من الكلام هناك فقط سقطت كل التصورات القديمة رأيته يتراجع خطوة بعد أخرى ويتجنب المواجهة ويبحث عن أي مخرج يجنبه تحمل المسؤولية..عندها أدركت أنه لم يكن سوى ظل لرجل.. صورة توحي بالقوة من بعيدلكنها تتلاشى عندما تقترب منها الحقيقة.
ولأن العمر مدرسة لاتتوقف عن التعليم بدأت أتخلص تدريجياً من أشياء كنت أظنها ضرورية..لم أعد منشغلاً كثيراً بإرضاء الجميع لأن الجميع لن يرضوا مهما فعلت وتوقفت عن مطاردة الصورة التي يريد الآخرون رسمها لي فبعض الناس لايبحث عن حقيقتك أصلاً..بل عن النسخة التي تناسب أفكاره ومصالحه.
كذلك تعلمت أن الماضي السيئ لايستحق أن يُستدعى كل يوم..الذكريات المؤلمة قد تمنحنا درساً نافعاً لكنها تتحول إلى عبء عندما نجعلها تقيم معنا إلى الأبد..هناك أخطاء لايمكن تغييرها..وأشخاص رحلوا أو تغيروا وأحداث انتهت منذ سنوات فلماذا نمنحها سلطة مستمرة على أيامنا الجديدة؟
وأصدقاء المصلحة قصة أخرى..ليس عيباً أن ينتفع الناس من بعضهم فالحياة قائمة على تبادل المصالح والمنافع، لكن المشكلة تبدأ عندما تنتهي العلاقة بانتهاء الفائدة..هؤلاء يكشفهم الوقت دون عناء..يتأخرون عنك حين تحتاجهم..ويسبقونك حين يحتاجونك لذلك لم أعد أحزن كثيراً على من يغادر من هذا النوع لأن رحيله غالباً يكون أخف من بقائه.
ومع كل ذلك لا أدعو إلى تجاهل الناس أو إغلاق الأبواب في وجوههم على العكس تماماً فما زلت أؤمن بقيمة النصيحة الصادقة وأحرص على الاستماع إلى العقلاء وأصحاب التجارب..الصديق الحقيقي قد يقول كلاماً لايعجبك أحياناً لكنه يقوله حفاظاً عليك لا انتقاصاً منك..والإنسان الذي يرفض النصح بحجة الاستقلالية يخسر فرصاً كثيرة للنضج والفهم.
الحياة تصبح أخف حين نتعلم فن الحذف..نحذف الأشخاص الذين يستنزفون أرواحنا..والذكريات التي تعطل خطواتنا..والقلق من نظرة الآخرين إلينا..ونُبقي مساحة واسعة للأشياء التي تستحق..راحة البال..والنصيحة الصادقة..والعلاقات النقية..واحترام الذات..عندها فقط نكتشف أن ما كنا نحتاجه لم يكن إضافة المزيد إلى حياتنا بل إزالة ما لم يكن ينبغي أن يبقى فيها منذ البداية.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *