من التليجرام : آخر أمنية لفتاة محترقة

من التليجرام : آخر أمنية لفتاة محترقة

الأستاذ / فهد الحربي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو أن تسمح لي بمناداتك ب (بابا) وأن تعتبرني كابنة لك ظلمتها الأيام وخانتها الأحلام فجعلت ربيع عمري خريفاً وطفولتي شيخوخة وحياتي سلسلة طويلة من الألم والمعاناة والدموع التي لم تنقطع..
فأنا فتاة في التاسعة والثلاثين من عمري من عائلة معروفة وملتزمة جداً وكان من ابتلاء الله لي في طفولتي أن أتعرض لحادث حريق رهيب وبالتحديد في السادسة من عمري كدت أفقد خلاله حياتي لولا رحمة الله وعنايته..نُقلت على أثره إلى المستشفى حيث أُجريت لي عملية تجميلية فاشلة جعلتني أخرج بعدها من غرفة العمليات بقايا طفلة أنهكتها آثار الحريق وشوهت ملامح جسدها البريء أتمنى الموت وأبكي حزناً وألماً على نفسي.
وتمضي بي الأيام فأكبر وتكبر مأساتي وتعاستي معي وأشعر بالاختناق والاحتراق في كل يوم ألف مرة كلما شاهدت فتيات في مثل سني يتمتعن بطفولتهن البريئة ويرتدين الملابس القصيرة الجميلة التي حُرمت منها أنا ورأيت نفسي مرغمة على ارتداء الملابس الطويلة الواسعة لإخفاء جسمي المشوه من العنق حتى القدمين وتبخرت آمالي وأحلامي وتحولت كلها إلى سحب سوداء وعواصف هوجاء من الشعور بالمرارة واليأس القاتل.
وقبل فترة ليست بالطويلة قرأت خبراً عن عمليات تجميل مضمونة لحالات كحالتي في مستشفى (تشانغ غونغ التذكاري) في تايوان فتمت مراسلتهم بالتقارير الطبية والصور(مرفقة لكم) وقبلوا حالتي وأخبروني أن علاج التشوه مضمون بإذن الله فغمرتني فرحة لم أعرف مثلها منذ سنوات طويلة وشعرت وكأن الحياة تفتح لي أبوابها من جديد وأسرعت إلى والدي أزفه البشرى وكم كانت صدمتي قوية عندما فوجئت بسخريته مني ورفضه القاطع لتوسلاتي وحتى الإصغاء إليّ رغم أنه من أصحاب الملايين.
وبدلاً من أن يرحم دموعي ويحقق لي أمنيتي الأخيرة والوحيدة في حياتي أطفأ شعلة الأمل في نفسي وأعادني إلى ظلمات اليأس التي ظننت أنني نجوت منها بمحاولاته المتكررة وإصراره على إقناعي بفكرة الزواج رغم رفضي لهذه الفكرة من أساسها بعد التجارب العاطفية الكثيرة التي مررت بها.
ولا أخفي عليك أستاذي فهد بأن جمال وجهي البريء هو الناجي الوحيد من ذلك الحريق المشؤوم ويبهر كل من يراني ويغري ويشجع كل شاب على التقدم لي فأنا أكثر من جميلة بشهادة كل من يعرفني ولكن ما أن يعلم الخاطب بحالتي حتى يتسلل هارباً بلا عودة ووالدي نفسه يعلم ذلك.
وها أنا أعود إلى دوامة اليأس من الحياة والتفكير بالتخلص منها بعد أن تخلى الجميع عني بمن فيهم أهلي ولم يبق لي سوى الله ثم أنت فأرجوك أبي الحبيب أن تنشر مأساتي كاملة في موقعك (مدون فهد الحربي) حتى يقرأها كل أب وكل إنسان في قلبه ذرة من المحبة والرحمة ويقرأها والدي فيدرك مدى عذابي وآلامي ومعاناتي فيفهمني ويرحمني ويمد يده الحانية فينقذني قبل أن يفتقدني فلا يجدني.
وفي النهاية لك كل حبي وتقديري واحترامي وثقتي.
ابنتك
(عهود)

۞ ۞ ۞

ابنتي الحبيبة:
إني أرى دموع الحزن وبراءة الطفولة ونظرة اليأس ولوعة المكلوم في عينيك..وأسمع صرخة الألم ودعوة المظلوم واستغاثة الغريق وتوسلات المحروم تمزق سكون الليل وتتردد مع آذان الفجر..تستعطف قلب أب لا يرحم..تنتظر رحمة الرب الأرحم من كل رحيم والأكرم من كل كريم..تستصرخ قلوب أهل الخير في كل مكان برسالة مكتوبة بدموع العين ودماء القلب..أحرفها آهات الأحزان..وكلماتها غصات الحرمان..تنعي للإنسان..للزمان حنان الأبوة..وتلعن البخل والجهل والقسوة..وتبكي أحلاماً وآمالاً لم تر النور..وتتحسر على جمال التهمته وشوهته النار..وحتى أستطيع تقديم المساعدة العملية والضرورية لك أرجو موافاتي بالتقاريرالطبية الحديثة عن حالتك منذ البداية وحتى اللحظة أو الاتصال بي شخصياً على الرقم الذي سأرسله لك لمعرفة كل شيء عنها وتقييم المعلومات المتوافرة لديك عن هذا المستشفى وبالتالي وضعك أمام الحقائق والمعلومات الصحيحة من مصادرها الطبية الموثوقة.
وفي كل الحالات وأسوأ الاحتمالات لاتفقدي إيمانك بالله تعالى ولا تستسلمي لليأس فليس عند الله أمر عسير وما عجز عنه الطب بالأمس..وقد يعجز عنه اليوم وغداً قد يتحقق بمعجزة من رب السموات والارض.
ونصيحتي المخلصة لك هي برفض فكرة الزواج من أساسها بالوقت الحاضر ومواصلة دراستك الجامعية ثم العليا حتى الدكتوراه سواء كان هناك عملية تجميلية ناجحة أم لم يكن فينظر الناس إليك نظرة التقدير والاحترام لعلمك لا لملابسك وشكلك وتكونين مفخرة لوطنك وبنات جنسك وموضع الإعجاب والإكبار ككثيرات من النساء اللواتي دخلن التاريخ من أوسع الأبواب بإنجازاتهن وابتكارتهن العلمية وخدماتهن الجليلة للإنسانية فخلدتهن أعمالهن العظيمة رغم كل الإعاقات والمعوقات والإصابات الجسدية.
وبانتظار أخبارك السارة مراسلة أو مباشرة لك مني كل الحب وأطيب التهاني.
مع أجمل الأمنيات والله معك.
(فهد الحربي)

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *