التكبير الذي لايشبه الاسلام
التكبير الذي لايشبه الاسلام
تُقاس الأوطان في ساعات المحن بقدرتها على الوقوف متماسكة أمام الألم لا لأن الحزن لا يطرق أبوابها.. بل لأنها تملك من الوعي والقيم ما يجعلها أقوى من كل محاولة لزرع الخوف في نفوس أبنائها..وما شهدته قرية (حمود) يوم الجمعة 23 اكتوبر 2026 في الكرك من جريمة إرهابية استهدفت أبرياء اجتمعوا في مناسبة إنسانية ودينية كان مشهداً صادماً لكل صاحب ضمير..فالرصاص الذي انطلق هناك لم يستهدف أفراداً بعينهم بقدر ما حاول الاعتداء على أمن المجتمع واستقراره وعلى حق الإنسان في أن يعيش آمناً مطمئناً بين أهله وأبناء وطنه..وقد أعلنت السلطات الأردنية أن الهجوم أسفر عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة آخرين قبل أن يتم تعقب المنفذين والقبض عليهم.
ليلة أمس شاهدت كما شاهد غيري مقطع فيديو متداولاً لأحد الإرهابيين وهو يردد (الله أكبر) توقفت عند المشهد طويلاً لا لأن العبارة غريبة على أسماع المسلمين بل لأنها الكلمة نفسها التي يلهج بها المؤمن في صلاته ودعائه وفرحه وحزنه..عند تلك اللحظة بدا التناقض صارخاً ومؤلماً فكيف يمكن لمن يرفع اسماً عظيماً من أسماء العبادة أن يمد يده في الوقت ذاته إلى سفك دم بريء؟
وكيف يمكن أن تجتمع قدسية الذكر مع بشاعة الجريمة في مشهد واحد؟
تلك الأسئلة لايطرحها الغضب وحده بل يطرحها العقل أيضاً.
والحقيقة التي لا تحتمل التأويل أن الله سبحانه وتعالى بريء من أفعالهم..وأن دين الإسلام بريء من جرائمهم وأن كل محاولة لربط هذا العنف بالإيمان ليست سوى تزوير للحقائق وقفز فوق النصوص الواضحة التي جاءت لحفظ النفس البشرية وصون كرامتها..فهؤلاء لم يحملوا رسالة الإسلام بل حملوا أفكاراً منحرفة جعلتهم يرون العالم من نافذة ضيقة يغيب عنها العقل وتغيب عنها الرحمة ويغيب عنها المعنى الحقيقي للدين.
هناك من يختلفون في السياسة..ومن يتباينون في الرؤى الفكرية..ومن يتجادلون حول شؤون الدنيا لكن قتل الأبرياء ظل عبر العصور خطاً فاصلاً بين الإنسان السوي ومن استسلم لوحشية الفكر المتطرف..ولذلك فإن مواجهة الإرهاب لايجب أن تقتصر على مطاردة المنفذين بعد وقوع الجريمة على أهميتها.. بل تمتد إلى محاصرة البيئة الفكرية التي تنتج هذا الانحراف وتغذيه وتمنحه مبررات زائفة للاستمرار.
ومن يتأمل التجارب الإنسانية يدرك أن الإرهاب لا دين له ولا وطن له ولا طائفة له فهو عندما يضرب يستهدف الجميع دون تمييز..الضحية قد يكون مسلماً أو مسيحياً أو رجلاً أو امرأة أو طفلاً لا ذنب له سوى أنه وجد في المكان الخطأ عندما قرر متطرف أن يحول أوهامه إلى دماء..ولهذا فإن الوقوف ضد الإرهاب ليس موقفاً سياسياً فحسب بل موقف أخلاقي وإنساني قبل كل شيء.
وفي منطقتنا العربية أدركت الدول منذ وقت مبكر أن الأمن ليس مجرد دوريات وحواجز وإجراءات نظامية بل منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد والإعلام وتنتهي عند رجل الأمن الذي يسهر لحماية الأرواح..وعندما تنجح المجتمعات في ترسيخ الاعتدال واحترام الإنسان فإنها تبني سداً منيعاً في وجه دعاة الكراهية الذين يحاولون التسلل إلى عقول الشباب قبل أن يتسللوا إلى ميادين الجريمة.
ويبقى المشهد الأكثر إيلاماً أن الضحايا خرجوا من بيوتهم وهم يظنون أن يومهم سيمضي كسائر الأيام لكن يد الغدر سبقت أحلامهم الصغيرة..غير أن التاريخ يعلمنا أيضاً أن الأوطان الحية لا تنكسر أمام الإرهاب.. وأن الدماء البريئة تتحول إلى دافع أكبر لحماية المجتمع والتمسك بقيم التعايش والعدالة والتسامح..أما أصحاب الفكرالمظلم فإنهم مهما رفعوا الشعارات ومهما تاجروا بالدين فلن يغيروا حقيقة واحدة راسخة وهي أن الإسلام دين رحمة وسلام..وأن من يقتل الأبرياء باسم الله لايمثل إلا نفسه وانحرافه بينما يبقى الدين أعظم وأنقى وأطهر من أن تحمله أيدي المجرمين.