زمن يهرب فيه الإنسان من الإنسان

زمن يهرب فيه الإنسان من الإنسان

لم أعد أعرف إن كانت الحياة ما زالت تحتفظ بشيء من ملامحها القديمة..أو إن كان في هذا الزمن مكان لأولئك الذين كنا نحبهم ونراهم بعيون لا ترى سواهم فقد أصبح السؤال نفسه أثقل من أن يُطرح..وأصبحت الإجابة أبعد من أن تُقال..وكأن الذين أحببناهم تلاشت آثارهم في الطرقات وذابت أصواتهم في ضجيج العالم ولم يبقى منهم إلا ظل يتعب القلب كلما حاول أن يمسكه..فالحب الذي كان يوماً نوراً يملأ الروح أصبح الآن شيئاً غريباً..باهتاً كأنه كذبة جميلة نرددها كي لا نعترف بأننا فقدنا القدرة على الشعور..وأن القلوب التي كانت تتفتح لأبسط كلمة صارت اليوم مغلقة كأبواب صدئة لا يفتحها شيء..حتى إنني ذات يوم جلست مع صديق عزيز أحبه كثيراً وتحدثت معه عن معاناتي من (القولون) ولم يرفع رأسه عن هاتفه لحظة واحدة فشعرت أنني أتحدث إلى جدار لا يسمع ولا يرى.
لقد أصبح الحب في هذا الزمن هشّاً..متعباً..كأنه ورقة ذابلة تتكسر بين الأصابع..وصار الناس لا يتحدثون عنه ولا يكتبون عنه ولا يبحثون عنه..بل صاروا يركضون خلف مباراة كرة قدم أو خلف مشهورٍ لايحمل من القيمة إلا ما يلمع على الشاشة أو خلف مشهورة لا تعرف من الحياة إلا ما يصفق له الجمهور..وكأن الحب أصبح ترفاً لا يليق بزمن يعبد الضجيج وينشغل بالتفاهة..وكأن القلوب أصبحت محصنة ضد كل ما يمكن أن يوقظ فيها دفئاً أو حنيناً..حتى إن البشر صاروا قساة لدرجة أن مشهد إنسان ينزف في حادث مروري لا يثير فيهم سوى رغبة التصوير..يقفون..يرفعون (جوالاتهم)..يمنعون الإسعاف..يتفرجون على موت يتسلل أمامهم كأن الدم مشهد ترفيهي..وكأن الرحمة اختفت من الأرض..وكأن الإنسان لم يعد يرى في الإنسان الآخر سوى مادة للفرجة.
ولم يعد الكذب شيئاً يُخجل..بل أصبح عادة يومية..والمكر صار مهارة يتفاخر بها البعض..والخداع أصبح جزءاً من العلاقات كأنه شيء طبيعي لا يحتاج إلى تفسير..حتى الزيارات تغيرت تزور شخصاً فتجده ينظر إليك بريبة كأنك جئت تطلب منه شيئاً..كأن الزيارة أصبحت فعلاً غير مألوف..كأن البشر أصبحوا انطوائيين لدرجة أن أي اقتراب يُفسر على أنه مصلحة أو حاجة أو طلب..وصار الإنسان يختبئ خلف (جواله) أكثر مما يختبئ خلف جدران بيته..وأصبحت العزلة ملاذاً لا هروباً..وأصبح الصمت لغة جديدة لا يفهمها إلا من تعب من الكلام..وأصبحت الأرواح تتباعد حتى وهي تجلس في المكان نفسه..كأن كل واحد منهم يعيش في عالم صغير لا يسمح لأحد بالدخول إليه.
والمجالس التي كانت يوماً تمتلئ بالحديث والضحكات والقصص أصبحت اليوم صامتة كأنها مقابر صغيرة يجلس فيها الناس بلا روح..كل واحد منهم يمسك (جواله) كأنه يمسك حياته كلها بين يديه لا أحد ينصت لأحد..ولا أحد يشعر بأحد حتى الألم لم يعد أحد يسمعه..تتحدث عن وجعك فلا يسمعك أحد ينصتون ل (لجوالاتهم) أكثر مما ينصتون لك كأن الإنسان لم يعد قادراً على حمل وجع غيره وكأن القلوب أصبحت ضيقة لا تتسع إلا لهموم أصحابها..وكأن العالم كله أصبح غرفة كبيرة مليئة بالناس الذين لا يرون بعضهم.
أما الأصدقاء والأقرباء فقد اكتشفنا أن كثيراً منهم لم يكونوا كما ظننا..بعضهم كان محطة مخيبة للآمال..وبعضهم كان عبئاً..وبعضهم كان جرحاً لايلتئم..حتى إن الإنسان يتمنى أحياناً ألا يكون له قريب أو صديق منهم ومع ذلك يبقى هناك من هو أصيل..من يعرف معنى الأخوة..من يحفظ الود..من يظل واقفاً حين يسقط الجميع هؤلاء قلة لكن وجودهم يجعل الحياة أقل قسوة..ويجعل القلب قادراً على أن يتنفس رغم كل هذا الضيق..ويجعل الإنسان يصدق أن الخير لم يمت تماماً..وأن العالم رغم قسوته ما زال يحمل شيئاً يستحق أن نتمسك به.
ولا أحب أن أرى العالم بعينٍ سوداء..ولا أحب أن أحمل الحياة أكثر مما تحتمل لكن الحقيقة لا يمكن دفنها..والواقع لا يمكن تجميله دائماً..فالأذهان لم تعد صافية كما كانت..والقلوب لم تعد طيبة كما كانت..وكثير من الناس يفعلون أشياء لو رفعوا رؤوسهم قليلاً نحو السماء لما فعلوها..وللأسف أن العالم تغير..والبشر تغيروا..والحب تغير..لكن الأكثر ألماً أن الإنسان نفسه تغير ولم يعد كما كان..ولم يعد يعرف كيف يعود..وكأن الحياة كلها أصبحت سؤالاً بلا جواب..وجرحاً بلا شفاء..وحنيناً لا يجد طريقه إلى أحد.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *