هكذا يفعل الحب حين يسكن القلوب

هكذا يفعل الحب حين يسكن القلوب

الحب الشريف..ذاك الذي يولد في القلب كما تولد النعمة في يد فقير لم يكن ينتظر شيئاً..هو القوة التي ترفع الإنسان فوق رغباته الصغيرة..فوق أنانياته التي تتكاثر في زوايا النفس مثل غبار لا يراه أحد.
وأنا حين أفكر في هذا الحب لا أراه فكرة مجردة..بل أراه في وجوه الناس ومواقفهم التي مرت عليّ كأنها رسائل من الحياة نفسها.
أتذكر يوم عدت من لندن كنت في المطار أراقب المسافرين فرأيت شاباً ينزل من سلم الطائرة وما إن وطئت قدماه أرض الوطن حتى سجد لله وقبل الأرض كأنه يقبل قلبه..اقتربت منه وسألته بهدوء:
ما الذي يدفعك لهذا؟
فقال:
والله لم أجد أحلى ولا أحن من وطني.
هذا هو الحب الذي لا يُدرس في الكتب ولا يُقال في الخطب بل يُعاش.
وأتذكر أيضاً حين زرت صديقي (أبو بدر) في المستشفى بعد عملية زراعة كلية..كان وجهه شاحباً لكنه يبتسم..سأل ابنه:
كيف حال أمك الآن؟
فقلت له:
ما بها؟ عسى ما شر.
فقال بصوت خافت لكنه ثابت:
هي من تبرعت لي بالكلية.
لحظتها شعرت أن الحب ليس كلمة بل جسد يُعطى وروح تُقدم دون حساب..هذا هو الحب الذي يجعل الإنسان أكبر من نفسه.
وموقف آخر لا يغيب عن بالي..رجل كان يحب فتاة حباً شريفاً صادقا فلما توفيت بحادث مروري انكسرت روحه.. أصيب بالاكتئاب والسكري والضغط وتدهورت صحته حتى توفي بعدها بفترة قصيرة. لم يمت من المرض وحده بل من الفقد.
هذا هو الحب الذي لا يرحل حتى لو رحل أصحابه.
هذه المواقف تجعلني أؤمن أن الحب الشريف ليس فكرة جميلة نرددها بل حقيقة تعيش بيننا..تظهر في لحظة صدق..في دمعة..في تضحية..في سجدة على أرض الوطن..في كلية تُمنح..في قلب يموت لأنه أحب أكثر مما يحتمل.
هذا الحب حين يكون صادقاً وشريفاً ومخلصاً لا يكتفي بأن يجمّل الحياة..بل يعيد تشكيلها من جديد..كأنه يضع يداً خفية على الروح فتستقيم وتتعافى وتعرف طريقها دون أن تُقاد. إنه الحب الذي يصنع المعجزات..لا تلك المعجزات التي تُروى في القصص..بل المعجزات اليومية التي تغير مصير إنسان وتفتح له باباً لم يكن يراه..وتجعله أقوى مما ظن..وأرحب صدراً مما كان.
وحين يحب الإنسان العلم أو العمل أو الخير أو الحق أو العدل..فإن هذا الحب لا يبقى شعوراً عابراً..بل يتحول إلى نور داخلي يوجهه في كل خطوة..ترى العالم الحقيقي لا لأنه يملك عقلاً واسعاً بل لأنه أحب المعرفة حتى صارت جزءاً من دمه..وترى الإنسان الصالح لا لأنه يخشى العقاب بل لأنه أحب الخير حتى صار الخير عادته الأولى..وترى المدافع عن المبادئ لا لأنه يبحث عن مجد شخصي بل لأنه أحب القيم حتى أصبحت هي صوته حين يصمت الجميع. الحب هنا ليس عاطفة..بل هو محرك خفي يدفع صاحبه إلى النجاح..إلى التضحية..إلى أن يكون أفضل مما كان..وإلى أن يترك أثراً لا يُمحى.
وحين يحب الإنسان وطنه يصبح الوطن أكثر من أرض وحدود وعلم يرفرف..يصبح معنى..يصبح ذاكرة..يصبح بيتاً داخلياً لايمكن مغادرته..هذا الحب يجعل من الإنسان جندياً أميناً لا لأن أحداً أمره بل لأن قلبه اختار ذلك..يجعل منه بطلاً وطنياً لا لأن البطولة تُمنح بل لأنها تنبت في داخله حين يشعر أن الوطن يستحق أن يُحمى بروحه قبل جسده. الحب هنا يخلق رجالاً ونساءً يقفون في وجه الخطر دون أن يفكروا مرتين لأنهم يعرفون أن ما يدافعون عنه أكبر منهم..وأبقى منهم.. وأجمل من كل شيء يملكونه.
ثم يأتي ذلك الحب الذي يجمع قلبين..الحب الذي يجعل من كل حبيبين أو زوجين جسدين بروح واحدة ليس لأنهما متشابهان بل لأن الحب الشريف يعلّم كلاً منهما كيف يرى الآخر كما يرى نفسه وكيف يضع يده في يد من يحب دون خوف من الغد..هذا الحب لا يعيش يوماً أو شهراً أو عاماً بل يمتد ما امتدت الحياة لأنه مبني على الصدق..على الإخلاص..على تلك الرغبة العميقة في أن يكون كل منهما سنداً للآخر..لاعبئاً عليه. الحب هنا ليس وعداً..بل هو فعل يومي يُمارس بالصبر..وبالاهتمام..وبالاحترام..وبالقدرة على أن يرى الإنسان جمال الآخر حتى في لحظات ضعفه.
والحب في جوهره ليس كلمة نرددها أو أغنية نسمعها ثم نتركها تتلاشى في الهواء..الحب بذرة صغيرة..خفية..تُغرس في القلب دون أن نشعر..فإذا كانت التربة نقية..والماء عذباً..والعناية حاضرة نمت هذه البذرة..وكبرت..وامتدت جذورها في الأعماق..وارتفعت فروعها نحو السماء..وصارت شجرة عملاقة تمنحنا أجمل الأزهار وأشهى الثمار..وحين تصل إلى هذه المرحلة يستحيل اقتلاعها لأنها لم تعد مجرد شعور..بل أصبحت جزءاً من تكوين الإنسان..من ذاكرته..من حياته كلها.
أما إذا كانت التربة فاسدة..والماء مالحاً..والعناية غائبة..فإن البذرة وإن نمت لا تكبر..وإن كبرت لا تزهر..وإن أزهرت لا تثمر..وحين تكون الجذور هشة..تتهاوى الفروع..وتتساقط الأوراق..وتموت شجرة الحب كما تموت الأشياء التي لم تجد من يرعاها. الحب يحتاج إلى صدق..إلى نية طيبة..إلى قلب يعرف كيف يحافظ على ما يُعطى له وإلا ضاع كما يضيع كل شيء جميل حين يُهمل.
وهكذا يبقى الحب الشريف هو المعجزة التي لا تُرى بالعين..بل تُحس بالقلب..هو القوة التي تغير الإنسان وتجعله أفضل وتمنحه معنى لحياته وتجعله قادراً على أن يحب..وأن يضحي..وأن يعيش بروح لا تشبه أي روح أخرى.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *