فن الحب والغزل والخيانة

فن الحب والغزل والخيانة

لا أعرف لماذا يتصرف البشر وكأنهم أصحاب الامتياز الحصري في الحب..وكأن الغزل اختراع بشري مسجّل..وكأن الخيانة شيء لم تعرفه الطبيعة قبلهم.
الحقيقة أنني كلما رأيت طائراً يقفز من غصن إلى آخر، أو يمد رقبته ليطلق صوتاً غريباً، أشعر أننا لسنا سوى نسخة مرتبكة من عالم أكبر يعرف هذه اللعبة قبلنا بكثير.
البشر يحبون أن يضخموا كل شيء، حتى مشاعرهم، بينما الطيور تمارس الأمر ببساطة تجعلنا نبدو وكأننا نبالغ بلا سبب.
خذ البشر مثلاً..المرأة قد تقف أمام المرآة وقتاً
لايمكن قياسه، تغيّر لون شعرها، ثم تعيده كما كان، ثم تضع عطراً جديداً لأنها سمعت أن (هذا العطر يلفت الانتباه)
والرجل يظن أن الحب يبدأ من السيارة أو من الساعة، أو من الحذاء اللامع..وهناك ذلك النوع الذي لا يملك شيئاً من هذا كله، فيلجأ إلى الكلام. وكأنه يحاول أن يقنع نفسه قبل أن يقنع أحداً.
لكن الطيور لاتعرف هذه التفاصيل..بعضها يغني، ليس لأنه يريد أن يبدو شاعراً، بل لأنه لا يملك وسيلة أخرى..يقف على غصن مائل، يمد رقبته، ويطلق صوتاً قد يكون جميلاً وقد يكون مزعجاً، لكنه صادق..وبعضها يطرق بمنقاره على جذع شجرة كأنه يقول:
(أنا هنا اسمعيني فقط)
وهناك طيور تنشر ريشها بألوان تجعل البشر يبدون وكأنهم يعيشون في عالم باهت.
وهناك طيور لا تملك جمال الريش ولا موهبة الغناء، فتتجه إلى القوة تتعارك وتتصادم وترفع أجنحتها وكأن الحب معركة يجب الفوز بها. وطيور أخرى تلجأ إلى الهدايا..تخيل طائراً صغيراً يبحث عن حصاة ملساء أو قطعة ورق لامعة ليقدمها للأنثى شيء بسيط، لكنه يحمل معنى أكبر مما يتخيله البشر الذين يعتقدون أن الهدية يجب أن تأتي من متجر باهظ الثمن.
أما البطريق..فهذه قصة أخرى يبحث عن حجر، حجر واحد فقط، يختاره بعناية، ثم يقدمه للأنثى. إذا قبلته، انتهى الأمر..لا رسائل..لا وعود..لا (سأفكر) حجر واحد يكفي.
وفي المقابل، هناك طائر آخر يشبه بعض البشر بشكل مزعج يقترب من الأنثى متذللاً يجر جناحيه وكأنه أكثر الطيور إخلاصاً، وما إن تضع بيضها في العش الذي بناه حتى يطردها بلا رحمة..
لا يبرر، لا يشرح فقط يطردها..نسخة طبيعية من الخيانة بلا دراما.
والبشر رغم كل ما يملكون من عقل وتجربة لايزالون يقعون في الفخ نفسه..يصدقون الكلمات الجميلة، ينخدعون بالمظاهر، يغضبون من الخيانة وكأنها لم تحدث في الطبيعة قبلهم. الحقيقة أن الخيانة ليست اختراعاً بشرياً والغزل ليس حكراً على لغة البشر والحب نفسه ليس ملكاً لأحد.
ومع ذلك ورغم كل هذا يبقى الحب حاجة لا يمكن التخلص منهاعند البشر وعند الطيور..يبقى الغناء، والهدايا، والمظاهر، والخداع أحياناً، مجرد محاولات للبحث عن دفء ما عن رفيق، عن عش صغير يخفف قسوة العالم..وربما هذا
مايجعلنا جميعاً مهما اختلفت أجنحتنا أو أيدينا متشابهين في النهاية.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *