ما الذي وجدته حين فتحت التيك توك

ما الذي وجدته حين فتحت التيك توك

لم أكن يوماً من أولئك الذين يندفعون نحو المنصات الجديدة..كنت أرى الناس يتحدثون عن (تيك توك) وكأنه عالم آخر..عالم سريع ومزدحم ومليء بالمفاجآت، وكنت أكتفي بالمشاهدة من بعيد ليس لأنني أرفضه، بل لأنني لم أشعر أنني أنتمي إليه..كنت أجد راحتي في الكتابة البطيئة..في الورقة التي أعود إليها بعد يومين..في الجملة التي أغيّرها عشر مرات حتى تستقر في مكانها.
لكن في مساء هادئ وبينما كنت أستمع إلى موسيقى (إلياس الرحباني) تلك الموسيقى التي تشبه ضوءاً خفيفاً يمرّ في القلب خطرت لي فكرة بسيطة:
ماذا لو وضعت إحدى خواطري على صورة، وتركت الموسيقى ترافقها؟
لا ظهور، لا صوت، لا شرح..مجرد كلمات وصورة وموسيقى أحبها..شعرت أن الفكرة تشبهني ففتحت التطبيق لأول مرة.
من اللحظة الأولى أدركت أنني دخلت مكاناً لا يشبه أي شيء أعرفه..مقطع لرجل يصرخ بلا سبب واضح ثم يضحك فجأة ثم ينتقل إلى موضوع آخر وكأن كل ما قاله قبل ثوانٍ لم يكن موجوداً..شعرت أنني في سوق مزدحم، كل شخص فيه يرفع صوته ليعلو فوق الآخرين.
انتقلت إلى مقطع آخر، امرأة تتحدث بسرعة تجعلني اتنفس بصعوبة وأنا مجرد مشاهد..وبعدها طفل صغير يظهر في بث مباشر محاطاً بتعليقات لا يفهم معناها بينما شخص بالغ يدفعه للابتسام أو البكاء أو قول شيء لا يعرف معناه فقط لأن هناك هدايا تُرسل وأرقاماً ترتفع..هذا المشهد تحديداً جعلني أتوقف ليس لأنني تأثرت بل لأنني لم أفهم كيف وصلنا إلى هنا.
واصلت التصفح وبدأت أرى ما هو أغرب..رجال أشك فعلاً في قواهم العقلية، يتحدثون بطريقة لا يمكن تفسيرها وكأنهم يعيشون في عالم منفصل عن الواقع..رجال آخرون يهاجمون أوطانهم بلا سبب..بلا معرفة.. بلا وعي.. وكأن المنصة أعطتهم منبراً ليقولوا كل ما لا يجرؤون على قوله في الحياة الحقيقية..ونساء لا يعرفن طريقاً للحياء، يظهرن بطريقة تجعلني أتساءل:
هل هذا فعلاً ما يردن تقديمه؟
أم أن المنصة تدفع الناس إلى التخلي عن جزء من أنفسهم؟
ومع ذلك وسط هذا الضجيج، ظهرت مقاطع جميلة..رجل يعزف موسيقى هادئة في غرفة صغيرة..امرأة تتحدث عن تجربة مؤلمة بصدق دون مبالغة..شخص يكتب كلمات بسيطة على صورة..كانت هذه المقاطع تشبه البشر أكثر..تشبه الحياة كما أعرفها لكنها للأسف قليلة ودائماً الأشياء السيئة هي التي تطفو على السطح، كأن الضجيج يملك قدرة طبيعية على الظهور أكثر من الهدوء.
الغريب أنني خلال دقائق قليلة كنت أنتقل من مقطع مضحك إلى مقطع محزن..من فيديو ديني إلى فيديو فارغ تماماً.. من شيء يثير الضحك إلى شيء يثير الغضب..شعرت أنني لا أتنقل بين مقاطع فقط بل بين حالات نفسية متناقضة..وحسب رأيي الشخصي هذا التنقل السريع يؤثر على الدماغ فعلاً..يربكه..يجعله غير قادر على الاستقرار في شعور واحد..كأن العقل يُسحب من مكان إلى آخر دون أن يُعطى فرصة ليفهم ما يحدث.
بعد فترة قصيرة شعرت بالتعب.. ليس لأن المحتوى سيئ كله بل لأن السرعة نفسها مرهقة..كمية الأصوات.. الألوان..الانتقالات كلها تحدث في وقت قصير جداً وتترك أثراً صغيراً في الرأس..أثراً يتراكم دون أن ننتبه.
تذكرت وقتها سبب دخولي إلى التطبيق..أردت فقط أن أنشر خاطرة على صورة مع موسيقى (إلياس الرحباني) دخلت إلى صفحة إنشاء الفيديوجرّبت خطوطاً مختلفة..ألواناً مختلفة..بحثت عن المقطع الموسيقي الذي أريده..أخذ مني الأمر وقتاً أطول مما توقعت، رغم أن الفكرة بسيطة جداً.
وعندما انتهيت شعرت براحة غريبة..نشرت الفيديو وأغلقت التطبيق..بعد ساعات عدت لأرى ما حدث..لم أجد أرقاماً كبيرة ولا تعليقات كثيرة فقط مشاهدات قليلة وتعليق أو اثنين..لم يهمني الأمر كثيراً.
كنت قد فعلت الشيء الذي أردته..وضعت شيئاً يشبهني في مكان لا يشبهني كثيراً.. وربما هذا وحده كان كافياً بالنسبة لي.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *