كنت أريد نشر خاطرة فقط..فوجدت شيئاً آخر تماماً

كنت أريد نشر خاطرة فقط..فوجدت شيئاً آخر تماماً

لم أكن أتخيل أن يأتي يوم وأفتح فيه (تيك توك)..لم يكن عندي موقف ضد المنصات لكني ببساطة لم أشعر أنها تشبهني..كنت مرتاحاً أكثر في مدونتي (مدونة فهد الحربي) أكتب شيئاً..أتركه قليلاً..ثم أعود إليه بعد يوم أو يومين..أحياناً أغيّر كلمة..وأحياناً أحذف سطراً كاملاً..هكذا كنت أحب أن أتعامل مع الكتابة.
في أحد الأيام كنت أستمع إلى موسيقى المحببة لي لإلياس الرحباني..إلى مقطع قديم كنت أعود إليه كثيراً في فترة معينة..وفكرت فجأة:
لماذا لا أضع إحدى خواطري القصيرة على صورة جميلة وأترك الموسيقى معها؟
لا أريد أن أظهر أو أسجل صوتي..مجرد صورة، وكلمات، وموسيقى أحبها.
فتحت حساب شخصي لي في (تيك توك) وأنا في الحقيقة لا أعرف ماذا أفعل هناك..بدأت أتنقل بين المقاطع بشكل عشوائي..أول مقطع كان لرجل يتحدث بصوت مرتفع..ثم يغير نبرته فجأة..وبعدها ينتقل إلى موضوع آخر وكأن الحديث لم يكن له بداية أصلاً…شعرت أنني دخلت مكاناً مزدحماً جداً وكل شخص فيه يتحدث في الوقت نفسه.
مررت إلى المقطع التالي..امرأة تتحدث بسرعة شديدة..ثم ظهر طفل صغير في مقطع جعلني أتساءل لماذا هو موجود أصلاً أمام هذا العدد من الناس..توقفت للحظة ليس لأن المشهد أثّر فيّ وإنما لأنني لم أفهمه.
واصلت التصفح فقط لأعرف ما طبيعة هذا المكان..الغريب أنني خلال دقائق قليلة مررت على أشياء متناقضة تماماً..مقطع جعلني أضحك، وبعده شيء أزعجني، ثم فيديو لم أعرف حتى لماذا أشاهده..شعرت أنني لا أنتقل من فيديو إلى آخر فقط..بل من شعور إلى شعور.
ثم بدأت تظهر المقاطع التي يتحدث أصحابها بثقة شديدة عن مواضيع حساسة..شخص يتحدث عن مرض وكأنه متخصص فيه..وآخر يشرح ما يحدث في دولة معينة وكأنه يعرف كل التفاصيل..وثالث يهاجم شخصية عامة بطريقة تبدو مقنعة في البداية.
وهنا بدأت أفكر في موضوع آخر:
كيف يمكنني أن أعرف أن ما أشاهده حقيقي؟
خصوصاً أننا نعيش في وقت أصبح فيه من السهل جداً تقليد الصوت والصورة وصناعة مقاطع تبدو حقيقية..أحياناً يكون الفيديو واضحاً والصوت جيداً والكلام مرتباً ومع ذلك لا يعني هذا بالضرورة أن كل ما فيه صحيح.
بعد فترة لاحظت أنني تعبت من التصفح أكثر مما توقعت..كنت قد شاهدت عدداً كبيراً من المقاطع خلال وقت قصير جداً وكل واحد منها كان يترك شيئاً مختلفاً في رأسي..ضحك..غضب..موسيقى..طفل يبكي..شخص يرقص..كل ذلك خلال دقائق.
ربما لهذا السبب شعرت أنني بحاجة إلى التوقف ليس لأن كل ما في التطبيق سيئ وإنما لأن السرعة نفسها كانت متعبة.
ومع ذلك وجدت بعض الأشياء التي أعجبتني فعلاً رأيت شخصاً يكتب كلمات بسيطة على صورة..وامرأة تتحدث عن تجربة مرت بها من دون مبالغة..ورجلاً يعزف موسيقى هادئة في غرفة صغيرة..كانت هذه المقاطع مختلفة عن الضجيج الذي رأيته في البداية
تذكرت وقتها سبب دخولي إلى التطبيق من الأساس.
أردت أن أنشر خاطرة على صورة مع موسيقى (إلياس الرحباني)..لم أكن أريد أن أظهر أو أتكلم أو أشرح للناس ماذا أقصد..أردت فقط أن أضع الكلمات بالطريقة التي أحبها وأتركها هناك.
دخلت إلى صفحة إنشاء الفيديو واخترت الصورة جرّبت أكثر من خط وأكثر من لون ثم بحثت عن المقطع الموسيقي الذي كنت أريده أخذ مني الأمر وقتاً أطول مما توقعت رغم أن الفكرة في الأصل بسيطة جداً.
وعندما انتهيت شعرت براحة غريبة..لم يكن هناك شيء كبير حدث لكني شعرت أنني وضعت شيئاً صغيراً يشبهني في مكان لا يشبهني كثيراً.
نشرت الفيديو وأغلقت التطبيق.
بعد عدة ساعات فتحت التطبيق مرة أخرى..لم أجد أرقاماً كبيرة ولا عشرات التعليقات..كانت هناك بعض المشاهدات وتعليق واحد أو ربما أكثر بقليل..بصراحة لم يهمني الأمر كثيراً.
كنت قد فعلت الشيء الذي أردت فعله.
نص قصير على صورة..وموسيقى ل (الياس الرحباني) وشيء بسيط يشبهني وسط كل ذلك الضجيج.
ربما هذا هو كل ما كنت أريده من البداية.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *