أوكار الدجالين والمشعوذين
أوكار الدجالين والمشعوذين
هناك أشياء لا نحب الاعتراف بوجودها، لكنها موجودة رغماً عنا..مثل تلك البيوت التي تُفتح أبوابها في أطراف المدن، أو في أحياء قديمة لا يمر بها أحد إلا مضطراً..بيوت لا تحمل لافتة، ولا يخرج منها ضوء، ومع ذلك يعرف الناس طريقها كما يعرفون طريق المستشفى أو المسجد..شيء في داخل الإنسان يدفعه إليها حين يضيق صدره، كأنها آخر ملجأ قبل أن يسقط.
كنت أظن دائماً أن الناس يبالغون حين يتحدثون عن السحر والشعوذة، حتى بدأت أسمع القصص من أصحابها، لا من الذين ينقلونها..امرأة في الأربعين، تبدو قوية من الخارج، لكنها حين جلست أمامي كانت تمسك بيديها كأنها تخشى أن تتفكك..قالت إنها لم تكن تؤمن بهذه الأمور، لكنها ذهبت (مرة واحدة فقط) لأن ابنتها تأخر زواجها، ولأن كلام الناس كان يثقب قلبها كل يوم..لم تكن تبحث عن سحر، بل عن طمأنينة، عن كلمة تقول لها إن كل شيء سيكون بخير..لكنها وجدت رجلاً يعرف كيف يدخل من باب الخوف، لا من باب العقل..طلب منها قطعة من ملابس الفتاة، ثم مبلغاً (بسيطاً) ثم مبلغاً آخر، ثم بدأ يتحدث عن (عقدة قوية) تحتاج إلى وقت..كانت تعرف في داخلها أنه يكذب، لكنها كانت خائفة من أن تكون الحقيقة أسوأ من الكذب.
وفي مرة أخرى، التقيت بشاب في الثلاثين، كان يتحدث وكأنه يعتذر عن شيء لم يرتكبه..قال إنه كان يظن أن كل شيء في حياته يسير بشكل طبيعي، حتى بدأ يشعر بأن رزقه يتوقف فجأة، وأنه مهما حاول لا ينجح..لم يكن يريد أن يصدق أن الأمر (سحر) لكنه كان يبحث عن تفسير (أي تفسير) حتى لو كان غير منطقي..ذهب إلى رجل قيل له إنه (يعرف) وخرج منه بشعور غريب: راحة مؤقتة، ثم خوف أكبر. قال لي: (كنت أعرف يا استاذ فهد أنه دجال لكنني كنت أريد أن أسمع شيئاً يريحني حتى لو كان كذباً)
هذه القصص ليست نادرة..بل تكاد تكون جزءاً من حياة الناس، حتى لو لم يعترفوا بذلك..هناك شيء في الإنسان يجعله يبحث عن تفسير خارق حين يعجز عن تفسير الواقع..شيء يجعله يصدق أن هناك قوة خفية تتحكم في حياته، بدل أن يعترف بأنه خائف، أو متعب، أو وحيد.
أحد الأطباء النفسيين الذين تحدثت معهم قال لي: (إن الإنسان حين يمر بأزمة يصبح أكثر قابلية لتصديق أي شيء.. ليس لأنه جاهل بل لأنه مرهق ..التعب يجعل العقل يبحث عن طرق مختصرة عن تفسير سريع عن شيء يعلّق عليه الألم) وأضاف:
(أن كثيراً من الحالات التي تُنسب إلى السحر هي في حقيقتها قلق أو اكتئاب، أو ضغوط أسرية أو خوف من المستقبل..لكن الناس يخافون من الاعتراف بأنهم بحاجة إلى علاج نفسي بينما لايخافون من الذهاب إلى مشعوذ)
الغريب أن المشعوذين يعرفون هذا جيداً..يعرفون أن الإنسان حين يخاف يصبح صوته الداخلي ضعيفاً..يعرفون أن المرأة التي تخشى أن تفقد زوجها ستصدق أي شيء، وأن الرجل الذي يخاف على رزقه سيبحث عن تفسير خارق وأن الفتاة التي تخشى كلام الناس ستتعلق بأي أمل.. لذلك تجدهم يتحدثون بثقة يكتبون طلاسم، يشعلون بخوراً يطلبون (أثراً) ثم يفتحون باب المال..وكلما دفع الزائر مرة، أصبح أسهل عليه أن يدفع مرة أخرى، لأن الاعتراف بأنه خُدع أصعب من الاستمرار في الوهم.
من الناحية الدينية الأمر واضح جداً فقد أفتى الشيخ عبدالعزيز بن باز -رحمه الله- بأن الذهاب إلى السحرة والمشعوذين حرام وأن تصديقهم أشد حرمة لأن ذلك يتضمن تعلقاً بغير الله وفتحاً لباب لا يأتي منه إلا الشر..وكان يقول إن من يذهب إليهم يعرّض نفسه للضياع، لأنهم لايملكون نفعاً ولا ضراً بل يستغلون حاجة الناس وضعفهم. وهذه الفتوى ليست مجرد حكم شرعي بل هي صرخة تحذيرلأن الإنسان حين يسلّم قلبه للخوف يصبح فريسة سهلة.
لكن المشكلة ليست في الدين ولا في العلم بل في المسافة بين ما نعرفه وما نفعله..كثير من الناس يعرفون أن الشعوذة محرمة، وأنها لا تنفع، وأنها طريق مظلم، لكنهم يذهبون إليها في لحظة ضعف..وكأن الإنسان حين يخاف ينسى كل
ما تعلمه..وهذا مايجعل الظاهرة مستمرة رغم كل الوعي الذي نتحدث عنه.
في إحدى الليالي التقيت برجل مسن كان يتحدث عن هذه الظاهرة بنبرة حزينة..قال إن الناس في الماضي كانوا يلجؤون إلى المشعوذين لأنهم
لايعرفون غيرهم..أما اليوم فالعلم متاح، والطب النفسي متاح، والاستشارات الأسرية متاحة، ومع ذلك يعود الناس إلى الطرق القديمة..ثم قال جملة بقيت في ذهني طويلًا: (الإنسان حين ييأس يصدق أي شيء)
ربما كان محقاً..اليأس هو الباب الذي يدخل منه المشعوذون..الإنسان حين يشعر أن حياته خرجت عن يده، يبحث عن تفسير يعيد إليه الإحساس بأنه قادر على الفهم حتى لو كان التفسير وهماً.. وحتى لو كان الثمن كرامته أو ماله أو راحته.
ومع ذلك فإن الحل ليس بعيداً..يبدأ حين نعيد للإنسان ثقته بنفسه حين نعلّمه أن مشاكله يمكن حلها بالحوار، وبالعلاج، وبالصبر، لا بالطلاسم. يبدأ حين نذكّره بأن الله أقرب إليه من كل هؤلاء، وأن من يتوكل عليه لا يحتاج إلى باب مشعوذ، ولا إلى بخور غريب، ولا إلى كلمات مبهمة.
ربما لا نستطيع أن نمنع وجود هذه الأوكار، لكنها ستظل فارغة إذا امتلأت قلوب الناس نوراً بدل خوف ويقيناً بدل يأس.