يا وليد..أي قلب يحتمل غيابك؟

يا وليد..أي قلب يحتمل غيابك؟

شمسٌ كانت تشرق في حضرة (وليد بن خالد النحاس) -رحمه الله- فتتفتح معها البسمة في الوجوه..ويهدأ القلب كما يهدأ الليل حين يكتمل قمره.
كان النهار في قربه أكثر صفاء..والليل أكثر طمأنينة..وكأن وجوده يوزّع على الساعات شيئاً من السكينة التي لاتُشترى..وحين يغيب يبهت الضوء وتفقد اللحظات لونها ويصبح الزمن نفسه أقل رحمة.
وبرحيله انطفأت بهجة كانت تمتد في صدور من عرفوه..وازدادت الأيام ثِقلاً كأنها تحمل فوق كتفيها ذكرى رجل ترك في القلوب أثراً لا يُمحى.
(وليد) لم يكن مجرد اسم في سجل الحياة.. بل كان حضوراً يعرف كيف يترك بصمته دون ضجيج..عرفته منذ أن كنا ندرس في ثانوية أحد بالمدينة المنورة وكان منذ تلك الأيام يحمل ملامح رجلٍ سبق عمره..هدوءه لم يكن ضعفاً بل وقاراً..وابتسامته لم تكن عادة..بل طبعاً أصيلاً..كنت أرى فيه شيئاً من المدينة المنورة نفسها..طيبة..ورفق..وعمق لا يُرى من النظرة الأولى.
ومع مرور السنوات لم يتغير..ظلّ كما هو..ثابتاً..صادقاً..نقياً..حتى حين وصل إلى هيئة الخبراء في الديوان الملكي لم يتبدل فيه شيء..بقي (وليد) الإنسان قبل المنصب..والرفيق قبل اللقب ولهذا كان فقده موجعاً إلى حد لا يُوصف.
في شهر يونيو من عام 2020 وحين انقطعت اتصالاته فجأة شعرت بشيء غريب (وليد) لم يكن من الذين يختفون بلا سبب أرسلت له عدة رسائل عبر(الواتساب) وانتظرت لم يأتِ الرد..حاولت الاتصال فوجدت هاتفه مغلقاً..كان القلق يتسلل إليّ ببطء كأنه يعرف الطريق جيداً وعندما ردت زوجته المربية الفاضلة ابنة العم الشيخ (عبدالباقي) كان في صوتها ما يكفي ليجعلني أفهم قبل أن تنطق..
قالتها بصوت موجوع ومكسور:
(وليد مات يا فهد)
تلك الجملة لم تكن خبراً بل كانت صاعقة..شعرت أن شيئاً في داخلي انهار..وأن العالم أصبح أضيق مما يحتمل.
مرت أمامي الذكريات كأنها تُعرض على شاشة لا ترحم..ضحكاته في (فسحة) المدرسة..نقاشاتنا التي كانت تمتد بلا سبب..رحلاتنا..مواقفنا..وحتى تلك الليلة التي احتفلت فيها به في أحد فنادق الرياض بعد ترقيته للمرتبة ال 14..كان يوماً جميلاً لكنه قال لي جملة لم أنسها:
(يا أبو مشعل..لست مرتاحاً لهذه الترقية)
قالها وكأنه يخفي سراً أو كأنه يشعر بما لا نراه.
واليوم كلما تذكرت تلك الجملة أشعر أن قلبه كان يقرأ ما لم نكن نقرأه.
(وليد نحاس) لم يكن رجلاً عادياً..كان من أولئك الذين يتركون فيك أثراً لا تعرف قيمته إلا حين يغيبون..كان كريماً دون أن يتباهى..وفياً دون أن يطلب مقابلاً.. قريباً من الناس دون أن يقترب أكثر مما ينبغي.
كان يعرف كيف يخفف عن الآخرين..وكيف يرفع عنهم ثقل الأيام..وكيف يجعل الحياة أقل قسوة.
وبرحيله أصبح الليل أطول..لم يعد كما كان..هناك ظلمة لا علاقة لها بانقطاع الضوء بل بانقطاع شخص كان يضيء من حوله دون أن ينتبه..وكلما مرّت ذكرى شعرت أن الفقد لا يشيخ وأن بعض الغياب يظل جديداً مهما طال.
يا وليد:
يا صديقي الذي لم يخذلني يوماً..أنعيك رغم مرور السنوات وأشعر أن الحزن ما زال طرياً كأنك غادرت البارحة..ولو كان للموت أن يسمع لقلت له:
(تمهّل قليلاً فهناك قلوب لا تتحمل هذا القدر من الفراق)
رحمك الله يا أبو خالد وجعل قبرك نوراً وذكرك طيباً ومقامك في الآخرة أوسع وأجمل مما تركت في الدنيا..ستبقى أيها الحبيب الغالي وتوأم الروح حاضراً لا لأننا نرفض الغياب..بل لأنك كنت من أولئك الذين لا يغيبون مهما ابتعدوا.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

‫3 تعليقات

  1. ما اوفاك استاذ فهد مرت سنوات ومانسيت رفيق دربك وصديقك كم نحن بحاجه لهكذا اخوه وهكذا صداقه الله يرحم المستشار وليد ويطول بعمرك

  2. الله يرحمك ياوليد ويعوض شبابك بالجنة🥲
    ونعم الرجل اخلاقا وتواضعا وكرما
    شكرا لمبادرتك استاذ فهد ونعم الصديق والاخ انت وماهي غريبة عليك الله يوفقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *