شانتي ديفي وقصة من عالم آخر

شانتي ديفي وقصة من عالم آخر

لم تكن (شانتي ديفي) مجرد فتاة هندية عابرة في سجل الحياة، بل كانت أشبه بظلّين يسيران في جسد واحد.
منذ طفولتها الأولى، كان هناك شيء غير مفهوم يطل من عينيها، شيء يشبه ذاكرة لا تخص طفلة في عمرها..كانت أمها تراقبها وهي تنسحب من ضحكات الأطفال، وتجلس في زاوية الغرفة كأنها تستمع إلى صوت لا يسمعه أحد سواها..لم تكن تبكي، ولم تكن تشكو، لكنها كانت تبدو كمن يعيش نصفه هنا ونصفه في مكان آخر.
كبرت الطفلة قليلاً، وبدأت الكلمات تتسرب من فمها كاعترافات صغيرة..قالت لأمها إنها تعرف بيتاً آخر غير بيتهم، وإن هناك مدينة اسمها موترا تلوح في رأسها كلما أغمضت عينيها..لم تكن الأم تفهم، لكنها شعرت بأن ابنتها لا تتخيل، بل تتذكر..كانت التفاصيل التي ترويها دقيقة بشكل يربك القلب..باب خشبي بلون غامق نافذة تطل على ساحة صغيرة، ورجل كانت تصفه كما لو أنها رأته قبل ساعات.
لم يكن الأب ميالاً لتصديق مثل هذه الأمور، لكنه لم يستطع تجاهل ثبات ابنته التي لم تتراجع عن كلمة واحدة، ولم تغيّر روايتها.
وعندما بلغت السابعة، قالت شيئاً قلب حياة الأسرة رأساً على عقب.. قالت إنها كانت متزوجة، وإن اسمها في تلك الحياة كان (لودجي) وإنها ماتت أثناء ولادة طفلها الثالث..قالت ذلك بهدوء غريب، وكأنها تحكي عن يوم عادي من أيامها.
مرت الأيام، إلى أن جاء ذلك المساء الذي طرق فيه رجل غريب باب البيت..كان يبحث عن والدها لأمر يتعلق بالعمل، لكن (شانتي) ما إن رأته حتى تجمدت في مكانها، ثم قالت بصوت خافت إنه ابن عم زوجها السابق..لم يكن الرجل يعرف شيئاً عن القصة، لكنه فوجئ حين علم أن ابن عمه كان متزوجاً فعلاً بامرأة تُدعى (لودجي) وأنها ماتت قبل سنوات..كان المشهد أكبر من قدرة العائلة على الاستيعاب.
بعد أيام حضر الرجل نفسه إلى البيت ليرى إن كانت الفتاة ستتعرف عليه..وما إن دخل حتى اندفعت نحوه (شانتي) كمن وجد شيئاً ضائعاً منه، وقالت له إنه كان زوجها..لم يكن في البيت
مايوحي بالخداع، ولا كانت الطفلة تعرف شيئاً عن حياته..كان كل شيء يحدث بعفوية مؤلمة، كأن الماضي يصرّ على أن يطلّ برأسه من جديد..
لم تستطع الحكومة تجاهل الضجة، فشكّلت لجنة من العلماء..أخذوها إلى موترا وهناك حدث ما لم يكن أحد يتوقعه..قبل أن تنزل من القطار، تعرفت على أم زوجها وأخيه، ونادتهما باسميهما. تحدثت بلهجة أهل المدينة، وسارت في طرقاتها كما لو أنها تعرف كل حجر فيها..وعندما عُصبت عيناها ووُضعت في عربة، كانت توجه السائق بلا تردد، حتى وصلت إلى بيت قالت إنه بيتها القديم.. كان يجلس أمامه رجل عجوز فقالت إنه والد زوجها..تعرفت على طفليها الكبيرين، أما الأصغر فلم تعرفه، لأنه وُلد في اللحظة التي ماتت فيها (لودجي).
كتب العلماء تقريرهم ببرود العلم، لكن خلف الكلمات كان هناك ارتباك واضح..لم يجدوا دليلاً على الكذب، ولم يجدوا تفسيراً..بقيت (شانتي) بعد ذلك تعيش حياتها في دلهي، تعمل وتكبر، وتتعلم كيف تضع ماضيها في مكان لايؤذي حاضرها..كانت تقول إنها لم تعد تشعر بذلك الشوق المؤلم لحياة أخرى، وإنها تعلمت أن تنتمي للحياة التي بين يديها الآن.
قصة (شانتي) لم تكن درساً في الغرابة بقدر ماكانت تذكيراً بأن الإنسان يحمل في داخله أسراراً لا يعرف كيف يفسرها، وأن الذاكرة ليست دائماً ابنة اللحظة، بل قد تكون امتداداً لشيء أبعد مما نتصور.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *