الأمير الذي اختار الإنسان أولاً

الأمير الذي اختار الإنسان أولاً

هناك أشخاص لا تحتاج إلى كثير من الشرح لتفهمهم..يكفي أن تراهم بين الناس لتدرك أن حضورهم مختلف وأن البساطة عندهم ليست محاولة لإخفاء شيء، بل هي طريقتهم الطبيعية في التعامل مع العالم.
صاحب السمو الملكي الامير عبدالإله بن عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالعزيز -رئيس الجمعية العربية لحقوق الطفل- واحد من هؤلاء.. رجل هادئ، يميل إلى الاستماع أكثر من الكلام ويقترب من الآخرين بلا ضجيج ولا استعراض.
ما يلفت في شخصيته أن العمل الخيري ليس (ملفاً) ضمن مسؤولياته، بل مساحة يجد نفسه فيها..خصوصاً حين يتعلق الأمر بالأطفال المرضى وذوي الإعاقة..لا يتعامل معهم كجزء من واجب رسمي، بل كأشخاص يحتاجون إلى من يخفف عنهم..يجلس معهم..يمازحهم، ويترك أثراً صغيراً لا ينسى..هذا النوع من القرب لا يمكن اصطناعه، ولا يمكن تدريبه..هو شيء يولد مع الإنسان.
أما والده صاحب السمو الملكي الأمير عبدالرحمن بن ناصر بن عبدالعزيز-رحمه الله- فله صورة مختلفة في الذاكرة..رجل يعرف كيف يقود دون أن يرفع صوته، وكيف يغيّر المكان دون أن يفرض نفسه..حين كان محافظاً للدرعية تغيّر وجه المنطقة بشكل واضح..مواقع تاريخية استعادت قيمتها، طرق تحسّنت، ومشاريع بدأت تظهر ملامحها..لم يكن الفقيد -رحمه الله- من النوع الذي يكتفي بالتقارير..كان يخرج، يمرّ، يسأل، ويعرف تفاصيل صغيرة لا يعرفها إلا من يهتم فعلاً.
ذكرياتي مع سموه الكريم -رحمه الله- تعود إلى زيارة واحدة فقط لكنها كانت كافية..ففي عام 2007 ذهبت مع والدي-رحمه الله- إلى الخرج لمقابلة سموه -رحمه الله- الطريق كان طويلاً في ذلك الوقت والمدينة أبسط بكثير مما هي عليه اليوم..أتذكر أننا وصلنا قبل الموعد، وجلسنا في صالة واسعة يدخلها الناس بلا تعقيد..لاحواجز ولا بروتوكولات ثقيلة.
عندما دخلنا على سموه- رحمه الله – كان يجلس بين الناس لا خلف مكتب ضخم..رفع رأسه بابتسامة قصيرة ثم استمع لوالدي باهتمام واضح..لم يكن يقطع الحديث ولا يكتفي بإيماءة سريعة..كان ينظر مباشرة إلى المتحدث وكأنه يحاول أن يفهم كل كلمة..بعدنا دخل رجل مسن مرتبك قليلاً يتحدث عن مشكلة في مزرعته. استمع له الأمير-رحمه الله- بالطريقة نفسها..لم يكن المشهد كبيراً لكنه بقي في ذاكرتي لأنه كان صادقاً بلا أي محاولة للتجميل.
الخرج في تلك الفترة كانت مدينة تتحرك للأمام.. وكانت تتغير وتتطورللأفضل والناس كانوا يتحدثون عن سموه بمحبة واضحة تأتي من تعامل يومي، من حضور قريب، من كلمة طيبة. لم يكن الامير عبدالرحمن بن ناصر بعيداً عنهم، وهذا ما جعلهم يشعرون بأنه واحد منهم.
وعندما توفي-رحمه الله- لم يكن الحزن محصوراً في الخرج فقط..المملكة كلها شعرت بأن رجلاً مهماً غاب..ليس مهماً بمنصبه فقط بل بطريقة حضوره..رأيت رجالاً يبكون، وسمعت نساءً يتحدثن عنه وكأنهن فقدن قريباً..الأطفال الذين اعتادوا رؤيته في المناسبات كانوا يسألون عنه. لم يكن الحزن منظماً، ولا مرتباً..كان حقيقياً، وهذا ما يجعل أثره مستمراً.
الأمير عبدالإله بن عبدالرحمن بن ناصر اليوم يحمل شيئاً من والده -رحمه الله – لكن بطريقته الخاصة..لديه هدوء مختلف، واهتمام واضح بالأعمال الإنسانية، خصوصاً ما يتعلق بالأطفال المرضى وذوي الإعاقة..لا يحب الظهور ولا يطلب من أحد أن يكتب عنه..يتحرك بصمت وهذا ما يجعله قريباً من الناس دون أن يشعروا بأن هناك مسافة.
ما يميّزه أنه لا يبحث عن المثالية..يعمل كما يشعر لا كما يُتوقع منه وربما لهذا السبب تحديداً يستحق أن يُكتب عنه..لأن الأشخاص الذين يتحركون بدافع إنساني صادق هم الذين يبقون في الذاكرة حتى لو لم يتحدثوا عن أنفسهم كثيراً.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *