ما بين الرياض وأبوظبي..مساحة لا يراها المتعجلون
ما بين الرياض وأبوظبي..مساحة لا يراها المتعجلون
هناك شيء يلفتني دائماً في النقاشات حول السعودية والإمارات..الناس تتعامل مع العلاقة بين البلدين وكأنها جهاز حساس..أي اختلاف بسيط فيه يعني أنه سيتعطل..بينما الحقيقة أقرب إلى جهاز قديم ثقيل يعرف طريقه حتى لو تعطلت بعض أزراره.
علاقة بهذا العمق لا تهتز بسبب اختلاف في ملف اقتصادي أو تصريح سياسي
أقول هذا لأنني أتذكر جيداً حديث رجل من أهل البادية في مجلس في القصيم قبل سنوات..كان يتحدث عن رحلاته في الستينيات بين الظفرة ووادي الدواسر قبل أن تُرسم الحدود بشكلها الحالي..قال جملة بقيت في رأسي:
(ما كنا نحس إننا نطلع من بلد وندخل بلد الأرض واحدة..والناس واحدة )
هذه ليست رومانسية..هذه ذاكرة شخص عاش زمناً لم تكن فيه السياسة هي التي تحدد العلاقات بل الطريق نفسه
ولو عدنا إلى عام 1974 عام توقيع اتفاقية جدة بين الملك فيصل بن عبدالعزيز والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -رحمهما الله- سنجد أن الحدث لم يكن مجرد ترسيم حدود..كبار السن الذين عاصروا تلك الفترة يقولون إن النقاشات كانت هادئة بشكل غريب رغم حساسية الملف..أحدهم قال لي مرة إن الملك فيصل -رحمه الله- كان يصرّ على إنهاء الموضوع بسرعة (حتى لا يترك شيئاً معلقاً للأجيال القادمة)
هذه التفاصيل الصغيرة لا تظهر في الكتب لكنها تظهر في ذاكرة الناس
وليس هذا استثناءً في المنطقة..البحرين وقطر مثلاً مرّتا بسنوات من التوتر ثم جاء يوم 5 يناير 2021 يوم (قمة العلا) وعاد السفر بين البلدين وكأن شيئاً لم يكن..لا أحد يستطيع أن يشرح كيف يحدث هذا التحول المفاجئ لكنه يحدث
مصر وليبيا أيضاً منذ 2011 وحتى اليوم علاقتهما تشبه موج البحر ترتفع، تنخفض، لكنها لا تتوقف..المنطقة كلها مبنية على فكرة أن الخلافات مؤقتة وأن الجغرافيا أقوى من المزاج السياسي.
السعودية والإمارات تحديداً العلاقة بينهما ليست علاقة (دولتين متجاورتين) هناك شيء يشبه القرابة.. ليس مجازاً بل فعلياً..عائلات ممتدة بين الجانبين، مصاهرات، قبائل مشتركة، وحتى اللهجات تتداخل لدرجة أنك أحياناً لا تعرف إن كان المتحدث سعودياً أو إماراتياً.
هذه التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في التحليلات السياسية هي التي تجعل العلاقة صلبة.
ثم جاءت حرب اليمن عام 2015 وأظهرت جانباً آخر من العلاقة..مهما اختلفت الآراء حول الحرب نفسها، يبقى أن البلدين دخلاها كتجربة مشتركة. أعرف شخصاً كان يعمل في الحد الجنوبي وكان يقول إن الجنود السعوديين والإماراتيين كانوا يتعاملون مع بعضهم كأنهم من وحدة واحدة..لم يكن ذلك (تنسيقاً عسكرياً) فقط بل كان شعوراً بأن المصير مشترك..هذه التجارب لا تُنسى، ولا تُمحى بسهولة.
ومع ذلك هناك دائماً من يحاول تضخيم أي اختلاف..البعض يفعل ذلك بدافع الكراهية والبعض بدافع الإثارة، والبعض لأنه لا يريد رؤية أي تقارب عربي..هؤلاء يلتقطون تصريحاً اقتصادياً أو خطوة دبلوماسية ويحوّلونها إلى (علامة على خلاف كبير) كأنهم ينتظرون لحظة انهيار العلاقة (لاسمح الله) رغم أن الواقع يسير في اتجاه آخر تماماً.
والواقع بصراحة ليس مثالياً..هناك اختلافات حقيقية في بعض الملفات..السعودية لديها مشاريع ضخمة مثل رؤية 2030 والإمارات لديها مسار اقتصادي مختلف في بعض التفاصيل. طبيعي أن تتباعد المصالح أحياناً.. طبيعي أن تختلف المقاربات..لكن هذا لا يعني أن العلاقة تهتز..بل ربما يعني أنها أصبحت أكثر نضجاً.. العلاقات التي لا تختلف عادةً تكون علاقات سطحية بينما العلاقات العميقة تتحمل الاختلاف لأنها مبنية على أساس قوي.
ما يلفت النظر أن الناس العاديين في البلدين لا يشعرون بأي توتر..في المطارات، في الجامعات، في الشركات، في المقاهي..تجد السعوديين والإماراتيين يتعاملون كأنهم من بيت واحد..حتى في النقاشات الحادة يبقى هناك احترام لا يشبه ما يُكتب في بعض المنصات التي تبحث عن الإثارة أكثر من الحقيقة.
وعندما نضع كل هذه التفاصيل جنباً إلى جنب نصل إلى فكرة بسيطة:
العلاقة بين السعودية والإمارات ليست علاقة يمكن أن تهتز بسبب اختلاف في ملف اقتصادي أو سياسي..هي علاقة طويلة، متشابكة، فيها تاريخ، وفيها دم، وفيها مواقف لا تُنسى..قد تظهر أصوات تحاول التشويش، وقد ينجرف البعض خلف التحليلات السطحية، لكن من يعرف تاريخ البلدين يعرف أن ما يجمعهما أكبر من أي اختلاف عابر