إيران وتصدير الفوضى للعرب
إيران وتصدير الفوضى للعرب
في كل مرة أظن أن العالم العربي تعلّم شيئاً من جراحه، يحدث ما يثبت العكس..كأننا شعوب تعيش في ذاكرة مثقوبة تسقط منها الدروس كلما مرّ الزمن.
أسمع اليوم أصواتاً عربية تتحدث عن إيران وكأنها (الطرف المظلوم) في معركة لا أحد يعرف كيف بدأت، ولا متى ستنتهي..وأتساءل:
هل نسي الناس ما حدث؟
أم أنهم يتظاهرون بالنسيان لأن الحقيقة ثقيلة؟
أعرف أشخاصاً عاشوا حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران كانوا يقولون إن صوت صفارات الإنذار لا يغادر الأذن حتى بعد أن تنتهي الحرب. ومع ذلك أرى اليوم من يتحدث عن إيران وكأنها لم تُطلق رصاصة واحدة في المنطقة وكأن اليمن لم يتمزق وكأن سوريا لم تُسحق وكأن لبنان لم يتحول إلى بلد يعيش على أنفاس الآخرين.
هناك شيء غير مفهوم في هذا الإصرار على تلميع مشروع سياسي ترك وراءه دولاً مكسورة.
والأغرب أن بعض التيارات العربية الإسلامية واليسارية والقومية تبدو وكأنها لم تغادر مكانها منذ التسعينيات..نفس الحماسة، نفس الاصطفاف، نفس الاستعداد لتبرير أي تدخل خارجي طالما أنه يأتي من (المعسكر الذي يحبونه)
الذين صفقوا لغزو الكويت، هم أنفسهم الذين يصفقون اليوم لتدخلات إيران..كأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بوجوه جديدة.
أحياناً أشعر أن القضية الفلسطينية أصبحت مظلة تُستخدم في كل اتجاه..كلما حدث شيء قالوا: (إيران تدعم المقاومة).. لكن أي مقاومة هذه التي تمرّ فوق جثث اليمنيين وتحت أنقاض السوريين وعلى حساب استقرار الخليج العربي؟
فلسطين ليست بطاقة تُستخدم لتبرير مشاريع سياسية وليست ذريعة لإسقاط دول عربية من الداخل..هذا الاستخدام المفرط للقضية جعلها تبدو وكأنها ورقة في جيب كل من يريد تبرير فعل لايمكن تبريره..وهنا تظهر الفكرة التي يتداولها كثيرون اليوم:
أن الخطر الإيراني ليس خطراً يأتي من الحدود، بل من الداخل..من الشقوق الصغيرة التي تتسلل منها الطائفية، ومن الجماعات التي تنمو داخل الدولة حتى تصبح أقوى منها.
إسرائيل عدو واضح لا يختبئ خلف حزب ولاخلف طائفة..أما إيران فمشروعها يعمل بصمت يغيّر شكل المجتمعات من الداخل، وهذا مايجعل تأثيره أعمق وأطول مدى..ولعلّ ما يوجع أكثر هو أن بعض العرب يقفون مع هذا المشروع.
لا أقول هذا من باب التخوين بل من باب التساؤل: كيف يمكن لإنسان أن يرى بلده يتفكك ثم يصفق لمن يساهم في هذا التفكك؟
كيف يمكن أن يصبح الولاء لمشروع خارجي أهم من استقرار وطن؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات جاهزة، بل إلى شجاعة في مواجهة الذات.
المنطقة اليوم تقف على حافة مرحلة جديدة..لم يعد هناك وقت للشعارات القديمة ولا للخطابات التي تُعيد إنتاج الماضي..ما نحتاجه هو وعي بسيط جداً:
أن الأوطان لا تُحمى بالانحيازات الأيديولوجية بل بالقدرة على رؤية الواقع كما هو..وأن الخطر الحقيقي ليس دائماً ذاك الذي نراه أمامنا بل ذاك الذي يدخل من الباب الخلفي دون أن نشعر.
ربما آن الأوان أن نعيد النظر في كل شيء..في تحالفاتنا، في قراءاتنا، في قدرتنا على التمييز بين من يريد مصلحة العرب، ومن يريد العرب كأوراق في لعبة أكبر منهم..لأن التاريخ إن لم نتعلم منه، سيظل يعيد نفسه..لكن بثمن أغلى كل مرة.