حين يكون الجلد سميكاً واللحم مراً
حين يكون الجلد سميكاً واللحم مراً
من يتابع الخطابات السياسية يدرك أن بعض الجمل تعيش يوماً أو يومين ثم تختفي.
لكن هناك عبارات تُقال في لحظة معينة فتتحول إلى مفتاح لفهم مرحلة كاملة..بالنسبة لي كانت عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد:
(الإمارات جلدها سميك ولحمها مر)
واحدة من تلك العبارات التي لا يمكن المرور عليها مروراً عابراً.
هذه ليست جملة للاستهلاك الإعلامي..هي جملة قالها رجل يعرف تماماً ما واجهته بلاده، ويعرف حجم الضغوط التي مرت بها، ويعرف أيضاً أن المنطقة ليست ملعباً للضعفاء..من يتابع المشهد يدرك أن الإمارات لم تكن يوماً دولة تبحث عن صدام، لكنها أيضاً لم تكن دولة تسمح لأحد أن يختبر صبرها بلا ثمن.
وأنا شخصياً قبل أن أسمع العبارة، كنت قد عشت ما يجعلني أفهم معناها..دولة الإمارات بالنسبة لي لم تكن مجرد محطة سفر، بل كانت تجربة أمان حقيقية..بلد تمشي فيه ليلًا دون أن تلتفت خلفك..وتتعامل فيه مع الناس دون أن تشعر بأنك غريب..هذا النوع من الأمان لايصنعه الحظ، بل تصنعه دولة تعرف كيف تُدار، وقيادة تعرف كيف تُحمى.
ومَن يتابع السياسة الإقليمية يعرف أن الإمارات واجهت عبر سنوات طويلة اعتداءات واستفزازات خصوصاً من الجانب الإيراني..بعضها كان مباشراً وبعضها كان رسائل مبطنة..ومع ذلك لم تتراجع، ولم تتوتر، ولم تدخل في ردود فعل انفعالية..كانت تتصرف بثبات يشبه ثبات قائدها.
وهنا لا بد أن أقولها بصراحة:
الشيخ محمد بن زايد ليس قائداً عادياً.
الرجل لديه قدرة واضحة على قراءة المشهد، وعلى فهم التهديدات، وعلى اتخاذ القرار في اللحظة التي يجب أن يُتخذ فيها..وهذا النوع من القادة نادر..كثيرون يتحدثون عن القوة، لكن قليلين فقط يملكون القدرة على ممارستها دون ضجيج.
لكن ما يجعل (ابوخالد) مختلفاً حقاً ليس صلابته السياسية، بل إنسانيته التي تظهر في اللحظات التي لا تحتاج إلى كاميرات.
زيارة الشيخ محمد بن زايد للمصابين في المستشفى كانت مثالاً واضحاً..لم تكن زيارة بروتوكولية..لم يكن يمشي بينهم كمسؤول يؤدي واجباً..كان يمشي كأخ أكبر، كأب، كإنسان يعرف أن القوة لا تكتمل إلا بالرحمة.
جلستُ أراقب المشهد، ولاحظت شيئاً بسيطاً لكنه مهم..الرجل كان ينصت..ليس انصاتاً شكلياً بل انصات شخص يريد أن يعرف كيف يشعر المصاب، وكيف يمكن أن يخفف عنه.
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق بين قائد وقائد.
وحين تربط بين هذه الإنسانية وبين تلك العبارة القوية:
(جلدها سميك ولحمها مر)
تفهم أن دولة الإمارات ليست دولة تتظاهر بالقوة، بل دولة قوية فعلًا..قوية لأنها محمية برجالها، وقوية لأنها محكومة بقائد يعرف أن الصلابة لا تعني القسوة، وأن الرحمة لا تعني الضعف.
تجربتي الشخصية مع الإمارات جعلتني أرى هذا التوازن بوضوح..بلد صلب في وجه من يهدده، لكنه دافئ مع من يعيش فيه..بلد يعرف كيف يردّ على الاعتداءات، لكنه يعرف أيضاً كيف يفتح أبوابه للناس..وهذا التوازن لا يأتي من فراغ، بل يأتي من قيادة تعرف وزن كل كلمة، وكل خطوة، وكل قرار.
ولذلك حين أسمع اليوم عبارة الشيخ محمد بن زايد، لا أسمعها كجملة سياسية، بل كخلاصة مرحلة، وكوصف دقيق لوطن استطاع أن يكون قوياً دون أن يفقد إنسانيته.