طريقة التفكير
طريقة التفكير
هناك لحظات لا يعرف فيها الإنسان كيف بدأت الفكرة، ولا لماذا اختارته هو بالذات..كأنها جاءت من مكان بعيد، من ظلّ في الذاكرة أو من رائحة قديمة مرّت به فجأة.
التفكير ليس فعلاً نقرره، بل حالة تجرّنا إليها الحياة دون أن نستعد لها..قد تكون جالساً في مقهى مزدحم، تسمع ضحكات لا تخصك، وفجأة تشعر أن شيئاً ما في داخلك بدأ يتحرك، كأن باباً انفتح دون أن تلمسه.
أحياناً يأتي التفكير مثل ضيف ثقيل، يفرض نفسه عليك وأنت متعب، وأحياناً يأتي كرفيق لطيف يربت على كتفك ويقول لك:
(لدي شيء أريد أن أريك إياه)
بعض الناس يظنون أن التفكير يحتاج إلى مكان هادئ، لكن الحقيقة أن الفكرة قد تولد في أكثر اللحظات فوضوية..قد تظهر وأنت تمشي بسرعة، أو حين تضع يدك على مقبض الباب، أو عندما تلمح شخصاً لا تعرفه لكنه يذكّرك بشخص آخر.
ولكل إنسان طريقة غريبة حين يفكر..هناك من يحدّق في الأرض كأنه يبحث عن شيء ضاع منه، وهناك من يرفع رأسه إلى السماء كأنه ينتظر جواباً..بعضهم يعبث بخاتمه أو (سبحته) وبعضهم يضغط على أصابعه، وبعضهم يبتسم دون سبب واضح.
التفكير ليس شكلاً واحداً، بل مئات الهيئات التي لايلاحظها إلا من يعرف صاحبها جيداً.
والأفكار نفسها لها مزاج..فكرة تأتيك خجولة، تحتاج أن تطمئنها حتى تكتمل..وأخرى تأتيك جريئة، تصرخ في رأسك وتطالبك أن تكتبها فوراً..وهناك أفكار تتدلل، تقترب ثم تبتعد، تتركك نصف الطريق وتجعلك تركض خلفها كأنك تطارد طيفاً..وبعضها لا يأتي إلا في اللحظة التي تستسلم فيها تماماً حين تقول لنفسك:
(لا أريد أن أفكر الآن..فتأتي)
والغريب أن الإنسان قد ينسى فكرة عظيمة لأنه لم يجد ورقة يكتب عليها، أو لأنه قال لنفسه:
(سأعود إليها بعد قليل)
لكن هذا القليل يطول، والفكرة تذوب مثل بخار.
وفي المقابل، قد تبقى فكرة صغيرة جداً لأنها جاءت في لحظة صادقة، فتكبر معه حتى تصبح جزءاً من حياته.
التفكير ليس علماً فقط، ولا عادة، ولا مهارة..إنه شيء يشبه التنفس، يحدث لأننا بشر، لأن داخل كل واحد منا مساحة لايراها أحد..مساحة تتحرك فيها الأسئلة والذكريات والاحتمالات..وربما لهذا السبب لايمكن أن نضع له طريقة واحدة، ولا أن نعلّمه كما نعلّم أي شيء آخر..التفكير يحدث حين يريد، بالطريقة التي يريد، ويترك فينا أثراً لا يشبه أثراً آخر.