في زمن التوتر..يبقى الخليج ملاذاً
في زمن التوتر..يبقى الخليج ملاذاً
أكتب إليكم بينما تتنقل أصابعي بين أزرار جهاز التحكم، أقلب القنوات بين العربية وسكاي نيوز أتابع اليوم الرابع من الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل وإيران.
تتبدل الصور بسرعة، كأن العالم كله محشور داخل شاشة صغيرة لا تتجاوز بضع بوصات، ومع ذلك ينجح في أن يثقل صدري كأنه جبل.. أرى وجوهاً متعبة، مدناً يبتلعها الدخان، أصواتاً تتحدث بثبات مصطنع، وأخرى ترتجف وهي تحاول أن تشرح ما لايمكن شرحه..وبينما تتلاحق الأخبار، ينفصل ذهني عن كل شيء، ويذهب إلى مكان آخر لا علاقة له بالتحليلات ولا بالخرائط ولا بالخبراء الذين يتحدثون بثقة عن مستقبل لايعرفه أحد.
كنت أشاهد الحرب، لكن داخلي كان مشغولاً بسؤال واحد ظل يطرق رأسي بإلحاح:
كيف وصلنا إلى هنا؟
كيف أصبح العالم مسرحاً كبيراً للدم وكأن البشر نسوا أنهم خُلقوا ليعيشوا لا ليموتوا؟
كنت أتأمل حال الدنيا وأشعر أن شيئاً ما انكسر منذ زمن بعيد، شيء لم نلتفت إليه ونحن نركض خلف مصالحنا، خلف قوتنا، خلف أوهام التفوق التي جعلت الإنسان ينسى إنسانيته.
تساءلت متى يكون الحب دستور حياتنا لا شعاراً نردده في الأغاني بل قانوناً نعيشه في تفاصيلنا الصغيرة؟
متى يصبح السلام عادة يومية لا حدثاً نادراً نحتفل به إذا صادف أن حدث؟
لماذا لا يعم السلام؟
لماذا لا نستطيع أن نتعايش كبشر دون أن نحمل في صدورنا تلك الندوب القديمة التي تتحول مع الوقت إلى كراهية؟
لماذا يبدو العالم وكأنه يصرّ على إعادة الدرس نفسه مرة بعد مرة وكأننا طلاب بليدون لايفهمون أن الحرب لاتخلّف سوى الخراب؟
كنت أفكر في الأطفال الذين يسقطون ضحايا لحروب لا يعرفون أسماء أطرافها..ما ذنبهم؟
ماالذي اقترفوه ليُحرموا من أبسط حقوقهم أن يكبروا؟
كنت أرى صورهم تمرّ سريعاً على الشاشة لكن أثرها يبقى طويلاً في القلب..طفل يحمل لعبة مكسورة وآخر يركض مذعوراً..كنت أشعر أن العالم كله يفقد جزءاً من روحه كلما خاف طفل وأن الإنسانية تتراجع خطوة إلى الخلف كلما ارتفع صراخ أم تبحث عن ابنها.
في تلك اللحظة تمنيت لو أنني أعيش في عالم آخر عالم لايشبه هذا العالم الذي نعرفه..عالم لاتُقاس فيه قيمة الإنسان بجواز سفره، ولا تُحدد مكانته بقوة جيشه، ولا يُحكم عليه من خلال انتمائه..عالم يكون فيه الحب هو اللغة المشتركة بين الجميع، لا يحتاج إلى ترجمة ولا إلى تفسير.. عالم لا يخاف فيه أحد من أحد، ولا ينام فيه الناس على أصوات الانفجارات، ولايستيقظون على أخبار الموت..عالم بسيط لكنه حقيقي مليء بالطمأنينة التي نفتقدها اليوم.
كنت أتخيل صباحاً يبدأ بابتسامة، لابخبر عاجل. مساءً ينتهي بدعاء هادئ، لابتحليل عسكري.. كنت أتخيل حياة لا يضطر فيها الإنسان إلى أن يبرر حقه في الأمان، ولا أن يشرح لماذا يريد أن يعيش بسلام..كنت أتخيل أرضاً لا تُزرع فيها الكراهية، بل تُزرع فيها أشجار ظلّها يتسع للجميع.
ومع كل هذا الشرود كنت أعود إلى وطني إلى المملكة العربية السعودية إلى الخليج العربي الذي نحمله في قلوبنا قبل خرائطنا..كنت أفكر في هذه الأرض التي كانت وما تزال تدفع ثمن مطامع الكثيرين وثمن حقد لاينتهي وثمن حسد يتجدد كلما تقدمت خطوة..ومع ذلك تبقى ثابتة، واقفة، محمية بالله ثم بقيادات تعرف معنى المسؤولية وتعرف كيف تحمي شعبها.
في هذه الظروف أدعو الله أن يحفظ وطني الغالي المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، وأن يبقى خليجنا آمناً مهما اشتدت العواصف، وأن تبقى هذه الأرض التي نحبها واقفة رغم كل ما يُحاك حولها..فخليجنا كان وما يزال يدفع ثمن مطامع وحقد وحسد من الكثيرين، لكن بفضل قياداتنا سنكون أقوى، وسنكون أقدر على مواجهة كل ما يأتي وسنكون دائماً في المكان الذي يليق بنا بين الأمم.