فهد الحربي..حين تكتبني الكلمات

فهد الحربي..حين تكتبني الكلمات

لا أحب الحديث عن نفسي، ولا أجد في كشف السيرة ما يغريني عادة، غير أن في النفس حاجة إلى أن تُقال بعض الحكاية، لامن باب الفخر، بل من باب الوفاء لما مضى، ولما شكّلني وجعل للكلمة في داخلي وطناً لا يضيق..ولعلي أستعير قول الشاعر:
وما المرءُ إلاّ حديثٌ بعدهُ.
فكنْ حديثاً حسناً لمن وعى.
فالكلمة التي تُقال بصدق قد تكون أثبت من العمر نفسه.
بدأت علاقتي بالكتابة منذ عام 1997 يوم كانت الصحافة الورقية في أوج حضورها ويوم كان الوصول إلى مساحة صغيرة في صحيفة كبيرة أشبه بعبور بوابة من نور..كتبتُ حينها في جريدة المدينة والرياض والجزيرة، ثم امتدّ قلمي إلى مجلة المجالس الكويتية ومجلة ألوان اللبنانية. كانت كتابات متقطعة، لكنها كانت تشبهني تأتي حين يجيء الإلهام وتغيب حين يغيب فلا أستطيع أن أكتب بغير حرارة، ولا أن أجرّ القلم جراً.
وأذكر جيداً ذلك اليوم الذي جمعت فيه مقالاتي الأولى، ووضعتها في كتاب واحد، ثم أهديته إلى سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -رعاه الله- عندما كان أميراً لمنطقة الرياض..لم أكن أتوقع أن يصل الكتاب إلى يده الكريمة، غير أن اتصالاً من الإمارة غير كل شيء، ودعيت لمقابلة مقامه الكريم..ما زلت أستعيد تلك اللحظة بكل تفاصيلها شكره، وكلماته الداعمة، وثناؤه الذي كان أكبر من جهدي بكثير كان ذلك الموقف فضلًا لايُنسى، بل يرافقني كلما أمسكت بالقلم، كأنّه يذكّرني بأن للكلمة مسؤولية، وللصدق طريقاً لا يضيع.
استمررت بعد ذلك في الكتابة المتقطّعة، وفتحت حساباً في منصة إكس، وأنشأت مدونة خاصة بي، لأني لا أحب الالتزام مع الصحف والمواقع بجدول ثابت..الإلهام عندي لا يُستدعى، ولا يأتي بالأمر، بل يهبط حين يشاء، ويغيب حين يشاء، وما كنت يوماً من الكتّاب الذين يكتبون لأن الموعد قد حان، بل أكتب لأن الفكرة تضيق بي حتى أفرغها.
ومع حبي للكتابة، ومع ما تتركه في داخلي من سكينة، جاءتني عروض كثيرة من قنوات معروفة، منها قناة BBC والحرة وDW،
ومازالت تلك العروض محفوظة لديّ حتى اليوم. كانت لقاءات مقترحة للحديث عن قضايا سياسية واجتماعية، وكان يمكن لها أن تفتح أبواباً واسعة للظهور الإعلامي، غير أنّي رفضتها جميعاً..لم أجد نفسي يوماً في الاستعراض، ولا في التنظير، ولا في الجلوس أمام الكاميرا لأتحدث بما لا أريد.. ولو كنت أسعى للظهور، لكان أسهل ما أفعل أن أفتح حساباً في أحد التطبيقات، وأتحدث بالغثّ والسمين كما يفعل كثيرون.
أنا أجد نفسي في الكتابة فقط..في تلك اللحظة التي ينساب فيها الحرف كأنه يحرّر شيئاً عالقاً في الروح..الكتابة عندي ليست مهنة، ولاوسيلة، بل رسالة أؤمن بها، وطريق أختاره كلما ضاقت الطرق الأخرى..فما دام في القلب نبض، وفي العقل فكرة، وفي الروح شغف، ستظل الكتابة هي ملاذي الأول والأخير، وهي الجسر الذي أعبر به إلى نفسي وإلى الآخرين، دون ضجيج، ودون رغبة في أن أكون أكثر من صاحب كلمة صادقة.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *