أبو مشعل ووجع القلب في عيد الحب
أبو مشعل ووجع القلب في عيد الحب
في عيد الحب..يصلني صوتك يا أبا مشعل من آخر المدى كأنك تطرق باباً في صدري لايفتحه أحد سواك..تأتي رسالتك عبر (الواتساب) محمولة على جناح شوق قديم وتكتب لي بلهجتك التي أعرفها جيداً:
لماذا تغيّرت؟
أين أنت؟
ولماذا لم تعد تكتب عن الحب؟
وهل ما زال في قلبك مكان لامرأة كانت يوماً كل النساء؟
أبتسم وأنا أقرأ كلماتك ثم أتنهد..ليس لأن السؤال صعب..بل لأن الإجابة أثقل من أن تُقال في جملة واحدة.
أنت يا أبا مشعل تعرفني أكثر مما أعرف نفسي وتعرف أني لا أهرب من الأسئلة..لكن بعض الأسئلة تشبه الجروح المفتوحة..كلما حاولت لمسها نزفت.
أكتب لك اليوم لا ككاتب ولا كعاشق ولا كمسافر ضائع بين المطارات..بل كإنسان يحاول أن يفهم ما تبقى من قلبه في زمن تغيرت فيه الأشياء حتى صرنا نخاف أن نعترف بما نشعر به.
تسألني عن الحب
وأقول لك:
قبل أن نسأل عن الحب..علينا أن نسأل:
هل بقيت قلوب قادرة على أن تحب؟
يا صديقي العالم تغير.
لم يعد الناس كما كانوا..ولا المشاعر كما عرفناها.
صرنا نعيش في زمن صار فيه الذكاء الاصطناعي يكتب القصائد..ويرسم الوجوه..ويقلد المشاعر حتى أصبح الإنسان نفسه يشك في صدق ما يشعر به.
كأن العاطفة فقدت قيمتها..وصار القلب مجرد برنامج يبحث عن تحديث جديد.
أتعرف يا أبا مشعل؟
أحياناً أشعر أن المشاعر ماتت يوم وُلدت الآلة التي تستطيع أن تقول (أحبك) دون أن تشعر بها.
صار الحب نسخة إلكترونية من شيء كان يوماً حقيقياً.
صار الناس يرسلون القلوب الحمراء أكثر مما يرسلون قلوبهم.
وصار الكلام جميلاً..لكن بلا روح.
أما عن (هي)
فهي ما زالت كما كانت.
امرأة لا تتكرر ولا تشبه أحداً ولا أستطيع أن أكتب عنها دون أن أرتجف.
أحببتها بطريقة لا يعرفها هذا الزمن..واحتفظت بها في مكان لا تصل إليه يد.
لم أكتب عنها لأن الكتابة عنها خيانة لها وخيانة لي.
بعض النساء يا صديقي لايليق بهن الورق..ولا يتحملن ضوء الحبر.
هن للروح فقط..وللذاكرة التي لا تشيخ.
تسألني أين أنا من نفسي…
وأقول لك:
أنا في مكان لا يصل إليه أحد..حتى أنا لا أصل إليه إلا متعباً.
أعيش نصف حياتي في المطارات.. ونصفها الآخر في غرف الفنادق التي تشبه بعضها حتى صرت أشك أني أعيش في غرفة واحدة منذ سنوات.
أحياناً أرى الفجر من نافذة طائرة أكثر مما أراه من نافذة بيتي.
وأحياناً أشعر أن حقيبتي تعرفني أكثر مما يعرفني البشر.
أما عن الناس..
فقد صاروا يا أبا مشعل مثل العملات المعدنية تلمع من بعيد..وتخدشك عندما تقترب.
أقارب يخذلونك..وأصدقاء يمرون في حياتك كالعابرين في محطة قطار..يلوحون لك ثم يختفون.
ولست بريئاً تماماً..
فأنا أيضاً صدّقت ظلالاً حسبتها جبالاً..ومنحت الوفاء لمن لايعرف معناه.
تعلمت متأخراً أن الطيبة ليست فضيلة في كل زمان..وأن الصدق قد يتحول إلى عبء في زمن يربح فيه الكاذبون.
تسألني لماذا أصبحت انطوائياً..
لأن العالم يا صديقي صار صاخباً أكثر مما يحتمل القلب.
لأن الناس لم يعودوا يسمعون..بل ينتظرون دورهم في الكلام.
لأن الكلمات الجميلة فقدت قيمتها..وصار الصمت أصدق من كل حديث.
ولأنني اكتشفت أن الوحدة ليست دائماً عقاباً.. أحياناً تكون نجاة.
أتعرف ما الذي تغير حقاً؟
لم أعد أبحث عن أحد.
ولا أنتظر من أحد شيئاً.
ولا ألوم أحداً على شيء.
صرت أعيش كما يعيش المسافر الذي يعرف أن كل محطة مؤقتة..وكل وجه عابر..وكل وعد قابل للكسر.
لكن رغم كل هذا…
ما زلت يا أبا مشعل أحتفظ ببعض الضوء.
ما زلت أؤمن أن هناك قلوباً قليلة..نادرة..تشبه المطر حين يأتي بعد جفاف طويل.
وأنت واحد من تلك القلوب.
تسألني:
هل اكتشفت فجأة تفاهة هذا العالم؟
وأجيبك:
لم أكتشف شيئاً فجأة..
العالم لم يتغير في ليلة واحدة..نحن الذين تغيرنا ببطء حتى لم نعد نشبه أنفسنا.
صرنا نرى الحقيقة بوضوح أكبر..ونفهم الخيبة بعمق أكبر..ونحزن بطريقة أنضج وأكثر صمتاً.
فهل من جواب يا أبا مشعل؟
ربما الجواب ليس عندي ولا عندك…
ربما الجواب في مكان ما بين القلب والعقل..بين الماضي والحاضر..بين الإنسان والآلة.
وربما لاجواب أصلاً وكل ما نملكه هو أن نكتب ونبوح ونحاول أن نكون بشراً في زمن صار فيه كل شيء قابلاً للاستبدال..حتى المشاعر.
فهد الحربي
فبراير 2026