يامن توشك على الغرق لاتفقد الأمل أبداً في النجاة
يامن توشك على الغرق لاتفقد الأمل أبداً في النجاة
كان الفرنسي (ألان بومبار) طبيباً لكنه لم يكن قادراً على التعامل مع البحر كرقم أو حالة طبية..كان المشهد الذي يراه كلما انتُشل غريق من الماء يترك فيه شيئاً ثقيلاً، شيئاً لا يزول..لم يكن يفكر في الموت بقدر ما كان يفكر في اللحظة التي تسبق الموت.. تلك النظرة التي لا يعرف أحد ماذا تقول..كان يشعر أن هناك سراً ما يحدث في تلك الثواني، وأن الكتب لا تشرحه، وأنه لن يفهمه إلا إذا عاشه بنفسه.
لم يكن الأمر بطولة ولا رغبة في لفت الأنظار.. كان أقرب إلى فضول مؤلم، فضول يدفعه إلى أن يضع نفسه في مكان لا يذهب إليه أحد بإرادته. لذلك ذهب إلى موناكو، وبدأ يجمع ما يستطيع من معرفة..كان يدرس الأسماك بطريقة غريبة، كأنه يبحث فيها عن إجابة..يختبر ماء البحر، يدوّن أرقاماً لا يعرف إن كانت ستنقذه لاحقاً أم ستخدعه..يراجع الخرائط، ويعيد النظر فيها، ثم يطويها ببطء وكأنه يودّع شيئاً مألوفاً قبل أن يدخل في المجهول.
وفي يوم ما، قرر أن يكفّ عن التفكير..صعد قاربه الصغير، وربط حول جسده ما استطاع من وسائل النجاة، ووضع أمامه ما يكفيه ليعيش.. إن أراد أن يعيش لكنه كان قد اتخذ قراراً داخلياً ألا يعتمد على شيء إلا إذا اضطر..كان يريد أن يعرف كيف يعيش الغريق، لا كيف يعيش المغامر.
في الأيام الأولى، لم يكن البحر عدواً ولا صديقاً. كان مساحة واسعة لا تقول شيئاً..كان (بومبار) يجلس في القارب ساعات طويلة بلا حركة، كأنه ينتظر أن يتكلم البحر أولاً..وحين حاول الصيد، لم ينجح..وحين شرب من ماء البحر، شعر أنه ارتكب خطأً لكنه لم يتراجع..كان يريد أن يعرف حدود الجسد وحدود الروح، لا حدود النظريات.
ثم جاءت العاصفة..لم تكن كما تُوصف في الكتب.. لم تكن درامية ولا شاعرية..كانت فوضى.. ماء يدخل من كل اتجاه، شراع يتمزق، جسد يرتجف، وأفكار تتداخل بلا ترتيب..لم يكن خائفاً فقط، كان مرتبكاً، عاجزاً عن فهم ما يحدث.. كان يقذف الماء من القارب وهو لا يعرف إن كان ذلك سينقذه أم أنه مجرد محاولة يائسة ليشعر أنه يفعل شيئاً.
بعد العاصفة، لم يعد كما كان..جسده بدأ يتغير.. جلده يتشقق، أظافره تتكسر، الدمامل تنتشر، وكل حركة تصبح أصعب من التي قبلها ومع ذلك كان يصلح الشراع، ويعيد ترتيب الأشياء، ويكتب ملاحظات ثم يمزقها حين يشعر أنها بلا معنى. كان البحر يختبره بطريقة لا تشبه الاختبارات التي عرفها في حياته.
وفي إحدى الليالي، حين كان المطر ينزل بهدوء، رفع رأسه وشرب..لم يكن ذلك انتصاراً، بل كان لحظة صغيرة شعر فيها أن الحياة ما زالت تترك له نافذة مفتوحة..لم يكن يعرف لماذا يواصل، لكنه كان يواصل.
وحين رأى السفينة التي اقتربت منه، لم يشعر بالفرح كما توقع..كان منهكاً لدرجة أنه لم يستوعب ما يحدث..وحين عرض عليه القبطان العودة رفض..لم يكن يريد أن يخرج من التجربة قبل أن تكتمل، حتى لو لم يعرف ما معنى الاكتمال.
وفي ليلة الكريسمس وصل إلى باربادوس..لم يعرفه أحد..كان شكله غريباً كأنه خرج من قصة لم يصدقها أحد..لكنه كان يحمل شيئاً لا يُرى..ذلك الإصرار الذي لم ينطفئ رغم كل ما حدث..
كتب جملة واحدة فقط جملة لا تحتاج شرحاً:
(يامن توشك على الغرق لا تفقد الأمل أبداً في النجاة).