روح أنت بوجهين

روح أنت بوجهين

من طبائع البشر أن يختلف ظاهرهم عن باطنهم، غير أن بعض الناس يبالغ في هذا الاختلاف حتى يصبح شخصين في جسد واحد..أحدهما يقدّمه للناس..والآخر يخبئه في داخله كأنه سر لايجوز أن يُكشف.
وقد يمر الانسان بأشخاص كهؤلاء دون أن ينتبه، لأنهم يتقنون ارتداء الأقنعة، ويعرفون كيف ينسجون حول أنفسهم صورة براقة تخدع من لايعرفهم.
وليس السؤال هنا:
هل يوجد هذا الصنف؟
بل ما الذي يدفع الإنسان إلى أن يعيش بوجهين؟ فليس كل ازدواجية نابعة من خبث، ولا كل مجاملة دليلاً على نفاق..غير أن هناك من يجعل من هذا السلوك عادة راسخة حتى يغدو التناقض جزءاً من شخصيته، لا يقدر أن يتخلى عنه ولو أراد.
ولعل أوضح الأمثلة ما نراه في فترة الخطوبة. فكثير من الرجال والنساء يقدّمون أنفسهم في تلك المرحلة كما يحب الطرف الآخر أن يراهم..هدوء مصطنع، وكرم مبالغ فيه، وحرص على إظهار أجمل الصفات فإذا تم الزواج، واطمأن كل طرف إلى الآخر، ظهرت الطبائع الحقيقية، وبدأت الشكوى المتبادلة: (لقد تغيّرت)..(لم تكوني هكذا)..(كنتِ تمثلين)..(وأنت كنت تخدعني) والحقيقة أن أحداً لم يتغيّر، بل إن ما كان مخفياً ظهر وما كان مغطى انكشف.
غير أن الازدواجية لا تقتصر على العلاقات الزوجية..فهناك قصص أشد غرابة تكشف إلى أيّ حد يستطيع الإنسان أن يعيش حياة مزدوجة دون أن يشعر من حوله بشيء..ومن ذلك قصة الشاب الذي أقدم على قتل عائلة كاملة من أجل السرقة.. حين قُبض عليه، لم يصدق أهله وزوجته
ماحدث..كانوا يقولون إنه لا يجرؤ على ذبح (دجاجة) وإنه كان يعاملهم برقة لا تتناسب مع ما ارتكبه..كان يعيش في بيتهم بصورة، وفي داخله بصورة أخرى، حتى لم يعد يعرف هو نفسه أيّهما يمثله..وهذه الحيرة الداخلية هي أثقل مايحمله صاحب الوجهين لأنه يعيش صراعاً لا يراه أحد لكنه ينهكه من الداخل.
وليس هذا المثال الوحيد..فقد روت لي أخت عزيزه (لمياء) تجربة لا تزال تذكرها بمرارة..فقد التحقت بعمل جديد في شركة كبيرة، وكانت فرحتها بالوظيفة واضحة..وفي المكتب زميلة تبدو لطيفة، تُكثر من الابتسام، وتُجيد مخاطبة المسؤولين بلطف يلفت النظر..غير أن (لمياء) لاحظت أن هذه الزميلة إذا جلست معها وحدها تغير كلامها، وبدأت تطعن في أولئك الذين كانت تبتسم لهم قبل دقائق!!
لم تشأ (لمياء) أن تسيء الظن وظنت أن الأمر مجرد تذمر عابر..وبعد فترة قصيرة، قدمت عملاً مميزاً، فبدأت الإدارة تلتفت إليها..ثم فوجئت بخطاب إنذار يطالبها بترك العمل..وبعد بحث وسؤال، اكتشفت أن تلك الزميلة هي التي شوهت صورتها، وقدمت عنها كلاماً لم يحدث..لم تبكِ (لمياء) على الوظيفة بل على ثقتها التي منحتها لمن لا يستحق. قالت لي يومها: (تعلمت استاذ فهد أن أضع مسافة بيني وبين الناس مهما بدوا طيبين)
وهناك قصة أخرى لا تقل غرابة..معلم معروف في الحي، يحترمه الجميع، ويُنظر إليه على أنه رجل صالح، يعلّم الأطفال القيم والمبادئ..فجأة يُقبض عليه بتهمة الاتجار بالمخدرات..لم يصدق أحد كانوا يقولون: (هذا رجل هادئ لايرفع صوته)
لكن الهدوء الظاهر لايكشف ما في الداخل فقد كان يعيش حياة أخرى لا يعلم بها أحد، ويظن أنه قادر على الجمع بين الصورتين دون أن يُكشف. غير أن الحقيقة لا تبقى مخفية إلى الأبد.
هذه الأمثلة على اختلافها تشير إلى أن الازدواجية لا تنشأ فجأة..إنها تبدأ من الطفولة، حين يُمنع الطفل من التعبير عن رأيه أو حين يرى أهله يكذبون أمام الناس ويبررون ذلك بأنه (تصرف اجتماعي) فيتعلم أن الحقيقة شيء يُخفى وأن الوجوه يمكن تبديلها بحسب الموقف..فإذا كبر حمل معه هذا السلوك، وربما لم يشعر أنه خطأ لأنه اعتاد عليه منذ صغره.
ومع ذلك لا ينبغي أن نخلط بين المجاملة الطبيعية وبين الازدواجية المؤذية فكل إنسان يضطر أحياناً إلى أن يلين في موقف، أو يختصر كلاماً، أو يتجنب صراحة قد تجرح..هذا أمر مفهوم.
أما صاحب الوجهين فهو من يجعل من التناقض منهجاً، ومن الكذب عادة، ومن الابتسامة ستاراً يخفي وراءه ما لا يريد لأحد أن يراه.
والتعامل مع هذا النوع مرهق، لأنك لا تعرف أيّ صورة ستواجهك لذلك لا بأس أن يكون المرء حذراً، وأن يضع حدوداً تحفظه من الخداع..فالثقة لا تُمنح كاملة إلا لمن يستحقها والقلوب التي تُفتح بلا تروٍّ قد تتعرض لما لا تُحمد عقباه.
وإن كان القارئ يجد في نفسه شيئاً من هذا السلوك، فربما يحتاج إلى وقفة صادقة مع ذاته. فالحياة بوجهين ليست راحة، بل عبء ثقيل..وقد ينجح الإنسان في إخفاء حقيقته زمناً لكنه لايستطيع أن يفعل ذلك إلى الأبد..فالحقيقة مهما طال الزمن تجد طريقها إلى الضوء.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *