التوتر يعكر الحياة
التوتر يعكر الحياة
لم أكن أنوي الدخول في أي حديث عميق في تلك المناسبة الصغيرة التي جمعتني بصديقي طبيب الجهاز الهضمي، لكنني وجدت نفسي جالساً قرب رجل لم ألتقه من قبل، طبيب نفسي جاء بدعوة من صديقي.
لم يكن بيننا أي معرفة، لكن فضولي دفعني لسؤاله سؤالاً بدا عابراً:
لماذا أصبح التوتر جزءاً من حياة الناس؟
لم أكن وقتها أشكو شيئاً ولله الحمد أردت فقط أن أفهم..قال لي إن التوتر في أصله ليس مرضاً بل رد فعل طبيعي يساعد الإنسان على التعامل مع مايواجهه..لكنه أضاف أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا التوتر إلى حالة مستمرة، حين يبقى الجسم في وضع الاستعداد حتى في اللحظات التي يفترض أن يكون فيها هادئاً..تحدث عن السهر الذي يقلب توازن الهرمونات، وعن الكافيين الذي يرفع مستوى اليقظة في غير وقتها، وعن التغذية التي قد تزيد من حساسية الجهاز العصبي دون أن ننتبه..ثم قال إن التوتر ليس شيئاً نزيله، بل شيئاً نفهمه ونتعامل معه.
خرجت من حديثه القصير وأنا أشعر أنني لم أسمع شيئاً جديداً تماماً لكنني سمعت ما كنت بحاجة إليه..ربما لأنني كنت أقرأ منذ فترة عن التوتر، وألاحظ كيف أصبح كلمة يومية في أحاديث الناس..كل شخص أعرفه تقريباً لديه قصة مع التوتر..من يسهر حتى الفجر، من يشرب القهوة كأنها ماء، من يعيش تحت ضغط العمل، ومن يركض خلف التزامات لا تنتهي..بدا لي أن التوتر لم يعد حالة طارئة، بل أسلوب حياة.
كنت قد قرأت للطبيب الأمريكي (روبرت سابولسكي) قوله إن الإنسان الحديث يعيش كما لو أن هناك خطراً يطارده رغم أن أغلب ما يخيفه موجود في رأسه لا في الواقع..هذه الفكرة ظلت ترافقني طويلاً..نحن نعيش في عالم سريع، مزدحم، مليء بالمحفزات، وكل شيء فيه يدفعنا إلى اليقظة الدائمة..(الجوال) وحده قادر على إبقاء العقل في حالة استعداد..إشعارات، رسائل، أخبار، صور، مقاطع، وكلها تخلق طبقة خفيفة من التوتر لا نلاحظها إلا حين تتراكم.
السهر كان دائماً جزءاً من حياة الكثيرين، لكنه اليوم أصبح عادة عامة..نؤجل النوم، نفتح الشاشات، نستهلك الضوء الأزرق، ثم نتساءل لماذا نشعر بالقلق في الصباح..قرأت مرة أن الجسم حين لا يحصل على نوم كافٍ، يرفع مستوى الكورتيزول ليعوض نقص الطاقة، فيشعر الإنسان بانقباض داخلي لا يعرف سببه..ومع فنجان القهوة الأول، ثم الثاني، يصبح اليوم كله مبنياً على هرمونات طوارئ.
الكافيين نفسه أصبح جزءاً من هوية الناس. البعض لا يبدأ يومه دون قهوة، والبعض لا ينهيه دون قهوة أخرى..لكن ما لا ننتبه إليه هو أن الكافيين لا يمنحنا طاقة حقيقية، بل يستعيرها من مخزون الجسم..وكلما زاد الاعتماد عليه، زادت حساسية الجهاز العصبي، وأصبح التوتر أسرع في الظهور.
التغذية أيضاً تلعب دوراً لا ننتبه إليه..الإفراط في السكريات يجعل المزاج متقلباً نقص المعادن يرهق الأعصاب، والوجبات السريعة تترك الجسم في حالة التهابية خفيفة تزيد حساسيته للتوتر..كل هذه التفاصيل الصغيرة تتجمع لتصنع شعوراً عاماً بالضغط، حتى لو لم يكن هناك سبب واضح.
أما النساء، فقصتهن مع التوتر أكثر تعقيداً قرأت كثيراً عن تأثير الدورة الشهرية على المزاج، وكيف أن انخفاض الإستروجين قبلها يجعل الجهاز العصبي أكثر حساسية..كثير من النساء يعتقدن أنهن (يبالغن) بينما الحقيقة أن أجسادهن تمر بتغيرات حقيقية..بعض الدراسات الأوروبية تشير إلى أن النساء أكثر عرضة للتوتر بسبب التغيرات الهرمونية، إضافة إلى الأدوار الاجتماعية المتعددة التي يتحملنها..امرأة تعمل، وتربي، وتدير تفاصيل المنزل، وتتعامل مع توقعات المجتمع، ثم يُطلب منها أن تكون هادئة دائماً..هذا وحده كافٍ ليجعل التوتر جزءاً من يومها.
أفكر أحياناً في أن التوتر ليس مجرد حالة نفسية، بل ثقافة كاملة..ثقافة السرعة، ثقافة الإنجاز، ثقافة المقارنة..كل شيء يقيس الإنسان..إنتاجيته، شكله، حضوره، قدرته على التحمل..وكأننا نعيش في سباق غير معلن، لا نعرف خط نهايته ولا نعرف لماذا نركض أصلاً.
لكنني تعلمت من قراءاتي أن التوتر ليس شيئاً يجب أن نخافه، بل شيئاً يجب أن نفهمه..أن نعرف متى يزداد، ومتى يهدأ، وما الذي يحركه..أن نلاحظ أجسادنا حين تتعب، وأن نسمح لأنفسنا بالراحة دون شعور بالذنب..أن نخفف من السهر، أن نقلل من الكافيين، أن نأكل ما يمنحنا طاقة لا ما يستنزفها..أن نتوقف عن محاولة إرضاء الجميع، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا.
التوتر ليس عدواً لكنه يصبح كذلك حين نتجاهله.. يصبح ثقلاً على الصدر، صداعاً متكرراً اضطراباً في النوم، فقدان شهية، أو رغبة في العزلة.. يصبح صوتاً داخلياً لا يهدأ..لكن حين نفهمه، حين نمنحه مساحة ليقول ما يريد قوله، يتحول إلى مؤشر، إلى رسالة، إلى دعوة للتغيير.
أفكر الآن أن السؤال الذي طرحته على الطبيب لم يكن عن التوتر بقدر ما كان عن الحياة نفسها. كيف نعيشها دون أن نُستهلك؟
كيف نحافظ على هدوئنا في عالم لا يتوقف؟
كيف نكون لطفاء مع أنفسنا في زمن يطلب منا الكثير؟
ربما لا توجد إجابة واحدة لكن هناك بداية واضحة أن نصغي..أن نصغي لأجسادنا، لمشاعرنا، لحدودنا..أن نعرف متى نتوقف، ومتى نبطئ، ومتى نقول لا..أن نسمح لأنفسنا بأن نكون بشرًا، لا آلات تعمل بلا توقف.
وهذا وحده، كما أظن، كافٍ ليجعل التوتر أقل قسوة وأكثر قابلية للفهم.