الإنفراد مع الذات

الإنفراد مع الذات

الناس يتعاملون مع فكرة الانفراد بالذات وكأنها شيء واحد..بينما هي تختلف من شخص لآخر بشكل كبير.
هناك من يهرب إلى غرفته لأنه لم يعد يحتمل الحديث وهناك من يخرج إلى الشارع فقط ليشعر أنه يتحرك..وهناك من يختار زاوية في البيت
لايراه فيها أحد..لا توجد طريقة صحيحة..كل شخص يخترع طريقته الخاصة، غالباً دون أن ينتبه.
في بعض البيوت الانفراد يعني أن تذهب للمطبخ وتغسل كوباً فارغاً فقط لتأخذ دقيقة إضافية..في بيوت أخرى يعني أن تجلس في السيارة بعد وصولك ولا تنزل فوراً..
اخي وصديقي(ابو مشعل) قال مرة إنه يجد راحته في السطح ليس لأنه يحب المكان بل لأنه المكان الوحيد الذي لا يسأله فيه أحد (وينك؟)
هذه التفاصيل الصغيرة لا تُذكر عادة لكنها تكشف الكثير عن حاجة الإنسان للابتعاد قليلاً.
الانفراد ليس دائماً لحظة هادئة..أحياناً يكون مزعجاً..شخص يجلس وحده في غرفته ويكتشف أن أفكاره أكثر ضجيجاً من الناس الذين هرب منهم..شخص آخر يحاول أن يهدأ لكنه يجد نفسه يعيد نفس الحوار الذي دار قبل يومين..وهناك من يجلس وحده ويشعر بالفراغ لا لأنه حزين بل لأنه لا يعرف ماذا يفعل بكل هذا الصمت.
هذه ليست لحظات (تأمل) بل لحظات بشرية جداً.
ومع ذلك هناك نوع آخر من الانفراد يحدث دون تخطيط..شخص ينتظر دوره في العيادة يحدق في الأرض ويكتشف أنه لأول مرة منذ أسبوع لا يفكر في شيء محدد..أو شخص يجلس في مقهى مزدحم لكنه يشعر أنه وحده تماماً..هذه اللحظات لا تُطلب، لكنها تأتي وتذهب دون أن نلاحظ قيمتها.
الغريب أن بعض الناس يخافون من الانفراد..ليس خوفاً من الوحدة، بل خوفاً من مواجهة شيء داخلي لم يُسمح له بالظهور..تجدهم يفتحون التلفزيون بلا سبب أو يتصفحون الجوال حتى لو لم يكن هناك شيء جديد..كأنهم يحاولون إسكات صوت ما..وهذا مفهوم ليس كل ما نحمله مريحاً.
في المقابل..هناك من يبالغ في العزلة..يبتعد عن الناس لدرجة يفقد معها القدرة على العودة. يصبح الانفراد عادة، ثم يتحول إلى جدار..هذا النوع من العزلة لا يشبه الراحة، بل يشبه انسحاباً طويلاً لايعرف صاحبه كيف ينهيه..ومع ذلك لا أحد يلومه..كل شخص يتعامل مع نفسه بالطريقة التي يستطيعها.
الانفراد بالذات ليس مشروعاً لتحسين النفس.. ليس مطلوباً أن تخرج منه بفكرة جديدة أو قرار مهم.
أحياناً يكفي أن تجلس وحدك وتترك عقلك يهدأ. وأحياناً لا يهدأ لا بأس..البشر ليسوا آلات تُعاد برمجتها في جلسة واحدة.
هناك أشخاص يجدون لحظتهم الخاصة في أماكن غريبة.. عامل نظافة يستند إلى عصاه دقيقة قبل أن يكمل عمله، سائق أجرة يطفئ المحرك ويغلق عينيه قبل أن يأخذ راكباً جديداً طالبة تجلس على درج الجامعة لأنها لا تريد العودة للفصل مباشرة. هذه ليست (طقوساً) بل محاولات بسيطة للبقاء متماسكين.
الانفراد مع الذات في النهاية ليس فكرة فلسفية ولا مهارة..هو مساحة صغيرة قد تكون دقيقة أو ساعة، يلتقط فيها الإنسان أنفاسه قبل أن يعود إلى العالم مرة أخرى مهما كان شكل هذا العالم بالنسبة له.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *