هل أصبح راتب الزوجة الموظفة مشكلة الحياة الزوجية؟
هل أصبح راتب الزوجة الموظفة مشكلة الحياة الزوجية؟
أحياناً حين أجلس وأتذكر كيف كانت البيوت قبل عشر سنوات، أشعر أن شيئاً ما تغيّر من دون أن ننتبه..ليس التغيير في شكل الحياة ولا في التكنولوجيا، بل في العلاقات نفسها..في الطريقة التي يتعامل بها الزوجان مع بعضهما، وفي التفاصيل الصغيرة التي كانت تمرّ بلا تعليق. اليوم، كل شيء صار له معنى، وكل كلمة محسوبة، وكل ريال يدخل البيت يفتح باباً للنقاش. وبعد بداية هذا التفكير بقليل، وجدت نفسي أسأل السؤال الذي صار يظهر في كل مجلس تقريباً: هل أصبح راتب الزوجة الموظفة مشكلة في الحياة الزوجية؟
لا أعرف إن كان السؤال جديداً فعلاً، أم أننا فقط بدأنا ننتبه له..لكن المؤكد أن الموضوع لم يعد بسيطاً كما كان..صار له وزن، وصار له صوت، وصار يغيّر شكل العلاقة أحياناً.
الأخت (جواهر) مثلاً لم تكن تتحدث وكأنها تروي قصة، بل كأنها تفرغ شيئاً ظلّ عالقاً في صدرها. قالت إن زوجها رجل طيب، لكنها تعبت من فكرة أنه لا يستقر في عمل..كل فترة يبدأ وظيفة جديدة، ثم يتركها، ثم يجلس في البيت ينتظر فرصة أخرى..وفي كل مرة يحدث ذلك، تجد نفسها هي التي تتحمل مصاريف البيت..لم تكن تتذمر، لكنها كانت تتكلم بنبرة فيها شيء من التعب قالت: (أنا ما كنت أحسبها كذا كنت أقول فترة وتعدّي بس صارت عادة وصرت أحس إني أنا اللي شايلة البيت)
كانت تتوقف فجأة، وكأنها تفكر هل تقول الجملة التالية أم لا ثم تقولها:
( تخيل استاذ فهد لو يوم من الأيام وقفت عن العمل وش يصير؟)
لم تكن تسألني كانت تسأل نفسها وهذا النوع من الأسئلة لا يحتاج إجابة، لأنه أصلاً يخرج من مكان مليء بالخوف.
الأخت (حصة) قصتها مختلفة، لكنها ليست أسهل..زوجها ميسور، وراتبه كبير، ولديه أملاك، ولا يحتاج ريالاً واحداً من راتبها ومع ذلك يقتطع نصف راتبها كل شهر بحجة الفواتير والمصاريف..تقول إن الأمر بدأ بشكل بسيط، ثم صار عادة، ثم صار شيئاً لا يناقش..كانت تتكلم بنبرة فيها شيء من الاستغراب وكأنها ما زالت
لاتصدق أن هذا يحدث قالت لي: (أنا ما عندي مشكلة أساعد بس ليه ياخذ نص الراتب؟ ليه مو مبلغ بسيط؟ ليه صار الموضوع حق مكتسب؟)
كانت تضحك ضحكة قصيرة، ليست ضحكة سعادة، بل ضحكة شخص يحاول يخفف عن نفسه قالت: (المشكلة إنه ما يحتاج يعني لو كان محتاج كان يمكن حسّيت بالرضا بس هو ياخذ لأنه يقدر ياخذ)
كانت كلماتها بسيطة لكنها تحمل شعوراً واضحاً بأنها فقدت جزءاً من حقها دون أن تعرف كيف.
الأخت (نورة) كانت مختلفة تماماً كلامها كان هادئاً، وكأنها تتحدث عن شيء مستقر..قالت إن زوجها منذ أول يوم قال لها إن راتبها لها وإنه هو المسؤول عن البيت لم يطلب منها شيئاً، ولم يلمّح، ولم يجعلها تشعر بأن عليها أن تشارك. ومع مرور الوقت، استطاعت أن تدخر مبلغاً جيداً. وحين مرّ زوجها بأزمة مالية، لم ينتظر منها شيئاً، لكنها هي التي بادرت وسحبت مدخراتها وأعطته إياها..كانت تقول ذلك وكأنه أمر طبيعي، لكنها كانت تعرف أنه ليس طبيعياً في كل البيوت.
قالت: (أنا عطيت لأنّي أبي أعطي مو لأن أحد فرض عليّ)
وبعد أن تجاوز أزمته، أعاد لها كل ما أعطته وأكثر..نبرة صوتها كانت نبرة شخص يشعر بالأمان، وهذا النوع من الأمان لا يأتي من المال، بل من طريقة التعامل.
وبين هذه القصص الثلاث كنت أشعر أن الموضوع ليس عن الراتب نفسه..الموضوع عن الإحساس..عن الشعور بالعدل، أو الظلم، أو المشاركة، أو الاستغلال..كل بيت له طريقته، وكل زوجين لهما تاريخهما، ولا يمكن وضع الجميع في قالب واحد.
الكاتب والمدون (فهد الحربي) يضع المسألة في إطار مختلف تماماً بالنسبة له، المشكلة لا تبدأ من المال، بل من الطريقة التي يتعامل بها الزوجان معه..العلاقة التي تُبنى على الاحترام لا تحتاج إلى من يذكّر الآخر بواجبه، ولا إلى حسابات دقيقة تُفتح آخر الشهر..ما يفسد الأمور ليس الراتب، بل الشعور بأن أحد الطرفين يستغل الآخر أو يضغط عليه..وعندما تمتد يد الزوج إلى مال زوجته بلا رضا، ينكسر شيء لا يُرى لكنه يترك أثره في كل التفاصيل الصغيرة.
وفي المقابل حين تبادر الزوجة بالمساندة من تلقاء نفسها، يرتفع قدرها في قلبه قبل أن يرتفع في ميزانية البيت..المال لا يصنع البيوت ولا يهدمها لكنه يكشف ما إذا كانت العلاقة قائمة على المودة أو على المجاملة.
أما رأي الدين فهو واضح..مال الزوجة ملك لها، ولا يجوز للزوج أن يأخذ منه إلا برضاها. والزوج هو المكلف شرعاً بالإنفاق سواء كانت الزوجة غنية أو فقيرة..لكن الدين أيضاً يشجع على التعاون، وعلى أن يقف كل طرف مع الآخر في وقت الحاجة، دون إجبار أو استغلال.
ومع كل هذا يبقى أن كل بيت يعرف الحقيقة التي تخصه..يعرف أين يبدأ الخلل، وأين يبدأ الخوف، وأين يبدأ سوء الفهم..بعض البيوت تتجاوز هذه الأمور بسهولة وبعضها يتعثر عندها وبعضها ينهار بسببها..ليس لأن المال قوي، بل لأن العلاقة كانت هشة من الأساس.