فاطمة القين..يا نخلة المدينة الطيبة..
فاطمة القين..يا نخلة المدينة الطيبة..
منارةٌ شامخة هُدمت من غير ميعاد..نور قدسي كان يستوطن ملامحنا غاب في عتمة اللَحد دون سابق إنذار.. طهرٌ ووقارٌ يغيبان تحت التراب..لكن أصداءهما تملأ المدى وتترك في القلوب ندبةً لا تبرأ.
أمانٌ يُسلب..
يتمٌ يتجدد..
صدرٌ يضيق..
وعينٌ تدمع..
أقدارٌ قاسية تنزل بنا..لا نملك أمامها إلا الانكسار.. نذهل.. نبكي.. نختنق.. ونستكين.. ونرفع الأبصار الكليلة إلى السماء..والدموع تحرق المآقي والقلوب واجفة مؤمنة بقضاء الله وقدره وضارعة للمولى أن يغمر روحها بالسكينة والرضوان.
غادرتنا روح (أمي فاطمة) التي عاشت فكانت السقف الذي يستظل به كل غريب..والدعاء الذي يفتح مغاليق السماء.
مرت في دروب الأجيال كنفحة مِسكٍ نبوية فمسحت بعطائها كل شتات.
تلمح الحزن فتمسح عليه بيمينها البارة.
نظرتُها العطوف كانت وطناً.
يدُها المربية كانت نجاة.
وهمسُها لنا في دياجير الليل كان حصناً يفتدي الجميع من فواجع الدهر.
بكتها أجيال تتلمذت على يديها..ونقشت في عقولهم معاني الفضيلة..ورددوا بقلوبٍ مكلومة:
(من للقيم بعدك يا أمنا ويا معلمتنا؟!)
حزنت عليها منازل طيبة الطاهرة..وغصّت حلوق اليتامى والمحتاجين الذين وجدوا في عطفها ملاذاً وسنداً.
والدتنا فاطمة..
بكتك المصاحف التي رطّبتِها بدموعك..
والأبواب التي شهدت صمتك ووقارك..
والأرواح التي انتشلتِها من الحيرة..
والوجوه التي استضاءت بنور سجداتك..
والوجدان الذي خالط طهرك النقي..
أضْحَتْ بِخَدِّي لِلدُّمُوعِ رُسُومُ … أَسَفاً عَلَيْكِ وَفِي الفُؤَادِ كُلُومُ
رَحَلَتْ فَمَا رَحَلَ الأَسَى عَنْ خَاطِرِي … جُرْحُ الفِرَاقِ لَدَى الحَشَا مَوْسُومُ
كانت (أمي فاطمة) آيةً في الصبر..وجبلاً في الاحتساب والرضا.
امرأةٌ طاهرة..عركها المرض العضال فما زادها السقم إلا صمتاً وشكراً..وتجرعت لوعة فراق زوجها وموته فظلت كالنخلة السامقة.. تداري لوعتها وانكسارها وتبث فيمن حولها اليقين بأن مع العسر يسراً.
كيف لا وهي ابنة المدينة النبوية.. ومجاورة المصطفى عليه الصلاة والسلام؟
نشأت في مهد الأنوار.. فتشربت من طهر البقيع وسكينة الروضة..فكانت ملامحها سلاماً..وأيامها هدى.
عطاؤها لم ينقطع وإن واراها الثرى..فوجفت قلوبنا يوم وفاتها..وصورتها تتداخل بين الدمعة والعين ترسم ابتسامتها الدائمة التي تنير عتمة غيابها.
أمي فاطمة:
أيتها الغائبة الحاضرة..
يا نخلة المدينة الطيبة..
يا قطعةً من الجنة رحلت عن دنيانا وتركتنا في صقيع يتمنا..
تتبخر الدموع من المآقي بطول السنين لكن حرقة الغياب باقية في سويداء القلب..تنقطع النداءات..وتبقى الآهات مكتومة في العروق.
لكن أيدينا ترتفع إليك اليوم وكل يوم بنعي متجدد..وفي نداء خاشع:
يرحمك الله بقدر هذا الكون.. بعدد خطاك في دروب الخير..وبعدد كل حرف علمتِيه..وكل نفسٍ ربّيتِها على التقوى.
أن يجزيك الله بالرضا والنعيم المقيم لقاء ما صبرت على البلاء والوجع وفراق الأحبة..أن يجمعنا بك في فردوسه الأعلى تحت لواء حبيبك المصطفى..كما جمعت قلوبنا على برك ومحبتك.
أن يهبنا الصبر على غيابك..وترحلين عظيمة ناصعة كما كنت فينا..وترحلين مطمئنة كما عهدناك.
لك حزننا الباسق مثل جرح طويل القامة..
لك طاحونة الألم الأبدية..ودموعنا التي لا يمكن أن تكف عن الهطول حباً..ووفاءً..وسلسبيلاً من الذكريات الطاهرة.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد فقيدتنا الغالية المربية الفاضلة والوالدة الغالية(فاطمة القين) بواسع رحمته ومغفرته..وأن يسكنها فسيح جناته..وأن يربط على قلوبنا برباط الصبر والسلوان.. والحمد لله على قضائه وقدره.