التليجرام الذي كشف لي قلب المرأة

التليجرام الذي كشف لي قلب المرأة

في العمل التطوعي، لا تحتاج إلى سنوات طويلة كي تكتشف أن النساء يحملن في قلوبهن ما لا يراه أحد..يكفي أن تفتح (جوالك) في ساعة متأخرة من الليل، وتجد رسالة قصيرة من امرأة لاتعرفها، لكنها تكتب إليك وكأنها تضع جزءاً من روحها بين يديك.
ليس لأنك تملك الحل، بل لأنك لست طرفاً في حياتها، ولأنك لن تحكم عليها، ولن ترفع حاجباً استنكاراً ولن تقول لها ما قاله الآخرون..وهذا وحده يكفي لتبدأ في رؤية الحبّ من زاوية مختلفة.
ما يصلني من النساء ليس (مشاكل عاطفية) كما يختصرها البعض..ما يصلني هو صوت الحب حين يصبح عبئاً جميلاً..عبئاً لا تريد المرأة أن تتخلى عنه، لكنها تخشى أن يسحقها إن حملته وحدها.
أحياناً تكون الرسالة جملة واحدة، لكنها تكشف أكثر مما تكشفه صفحات كاملة..وأحياناً تكون الرسالة طويلة، لكنها مكتوبة بطريقة تجعلني أشعر أن صاحبتها كانت تبحث عن كلمة واحدة فقط:
(هل ما أفعله طبيعي؟)
المرأة حين تحب، لا تفكر في الحب كعلاقة بين شخصين..تفكر فيه كمساحة يجب أن تبقى مضاءة، حتى لو كانت هي الوحيدة التي تشعل المصابيح كل ليلة..تفكر فيه كبيت يجب أن يبقى قائماً حتى لو كانت هي من يرمّم الشقوق الصغيرة التي لا يراها أحد..تفكر فيه كمسؤولية، لا كرفاهية..ولأن الشعراء يعرفون كيف يلتقطون ما نعجز عن قوله، ظلّ بيت واحد يرافقني كلما فكرت في هذا الحب:
وما امرأةٌ إذا أحبّتْ صدقاً
إلا وكانتْ لِمَن تهوى حياةً أخرى
هذا البيت ليس مبالغة..هو أقرب تفسير لما أراه في الرسائل التي تصلني..فالمرأة لا تقول (أنا أحبه) لكنها تقول ما يكشف ذلك دون قصد تسأل عن طريقة تخفف عنه، أوعن كلمة لا تجرحه، أو عن خطوة تجعل العلاقة أقل توتراً..لا تسأل عن نفسها كثيراً..تسأل عن العلاقة، عن الاستمرار، عن التوازن..ومع الوقت بدأت ألاحظ أن النساء لا يبحثن عن حلول سريعة..لايطلبن معجزات..هنّ فقط يردن أن يشعرن أن ما يفعلنه لا يضيع..أن صبرهن ليس عادة..أن وجودهن ليس أمراً مفروغاً منه..أحياناً أقرأ رسالة وأشعر أن صاحبتها وصلت إلى آخر نقطة في قدرتها على الاحتمال، لكنها مازالت تحاول..تحاول لأن الحب بالنسبة لها ليس شيئاً يمكن تركه بسهولة..تحاول لأنها ترى في العلاقة شيئاً يستحق أن يُحمى، حتى لو كانت وحدها في الساحة..والمؤلم أن كثيراً من الرجال لا يرون هذا..لا يرون الخوف الذي يُخفى، ولا التعب الذي يُبتلع ولا المحاولات التي لاتُعد..لا يرون إلا حين تتوقف المرأة عن المحاولة..وحينها يظنون أن الحب انتهى فجأة، بينما الحقيقة أنه انتهى ببطء شديد، ببطء لا يسمعه إلا من عاشه.
ما تعلّمته من كل ما يصلني (عبر التليجرام) هو أن المرأة لا تكتب لأنها ضعيفة..تكتب لأنها تعبت من أن تكون القوية دائماً..تكتب لأنها تريد أن تتأكد أن ما تشعر به ليس خطأ..تكتب لأنها تحب..وتخاف أن يضيع ما تحب.
حبّ الأنثى ليس شيئاً يمكن أن يُختصر في جملة..ولا يمكن أن يُقاس بالكلمات..إنه شيء يُرى في طريقة حديثها، في قلقها، في صمتها، في محاولتها المستمرة لإنقاذ ما تحب..حبّ الأنثى ليس عاطفة..إنه عمر كامل يُمنح لرجل واحد..والرجل الذي يفهم هذا، ويحافظ عليه، ويقدّره، لن يخسر امرأة أحبّته بصدق.
أما من يضيّعه..فلن يجد مثله مرة أخرى.

فهد الحربي

مدون وناشط سياسي واجتماعي (من قال أن الحب لايليق لهذا الزمان؟ الحب يليق بكل زمان ومكان لكنه لايليق بكل أنسان)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *